جولة في مطاعم الطبق الأوحد

جولة في مطاعم الطبق الأوحد

جولة في مطاعم الطبق الأوحد

 صوت الإمارات -

جولة في مطاعم الطبق الأوحد

بقلم : جميل مطر

 تزهو الدول وبخاصة المتقدم منها بمطاعمها الأشهر. لكل مطعم من هذه المطاعم قائمة مطبوعة على ورق فاخر بأسماء وصفات الأطباق التى يقدمها لزبائنه، قائمة يتجاوز عدد صفحاتها المصورة بالألوان على ورق فاخر عدد صفحات مجموعة قصص أو لوحات فنية تتنافس على الفوز بجائزة. زرت بعضا من هذه المطاعم خلال رحلاتى حول العالم، مدعوًا فى معظم الأحيان وصاحب الدعوة فى بعضها. لا أنكر فضل هذه الزيارات على تغيرات ملحوظة حدثت لذوقى ولكنى أعترف أنها لم تصب بالضرر الشديد تفضيلى الثابت لزيارات، وإن تباعدت، لمطاعم اشتهرت بتخصصها فى تقديم طبق أوحد، وعندها تنتفى حاجتها وحاجة زبائنها إلى قائمة تنصح بأطباق بديلة أو مكملة. ومع ذلك ولأسباب تتعلق بالمنافسة وسعيًا وراء زبون متجدد الذوق وتماشيًا مع العصر لجأ أصحاب هذه المطاعم إلى صنع قائمة تقدم محتوى الطبق الأوحد فى أوضاع مختلفة ومتعددة أو مزودة ببهارات وسمنة وزيوت غير عادية النوع والكمية. المهم الاحتفاظ بزبون لا يمل.

• • •

أذكر بكل الامتنان أننى عشت مرحلة شهدت رواج طبق الفول المدمس أو صحن الكشرى يقدم لزبون متعجل مستعد لتناول وجبته واقفًا أمام عربة يخدم عليها صاحبها ومعه صبى لغسل الأطباق والصحون المستعملة بإغراقها لثوانٍ فى صفيحة مياه. ولكنى أذكر متعة من أيام الطفولة عندما كنا على الطريق إلى المدرسة نقف أمام عربة البليلة أو الحمص المغلى بتوصية وقرش من أم لم تتح لها فرصة إعداد الفطور المناسب لابنها سواء كان صحن العصيدة الساخنة المشبعة بالعسل الأسود أو العسل الأبيض أو كان صحن الشعرية المبللة بالحليب تزينها رشات من السكر البودرة، أو كان صحن حلاوة الملعقة (سد الحنك)، وهى الدقيق المحمر مع السمن البلدى والمُحلى بقطرات من محلول الماء مع السكر، أو كان سندويتش الرغيف الفينو أبوتعريفة المحشو بالقشدة الطازجة المتكونة بوفرة على حصتنا الصباحية من الحليب و«مرشوش» عليها السكر.

نضجنا فى العمر ونضجت معنا تجارة الفول المدمس بعد أن دخلت عليه متغيرات أو مستجدات تحت أسماء شتى مثل الفول بالسمن البلدى وبالتقلية وبالبيض. نضجت أيضًا تجارة الكشرى حتى صارت لكل منهما مطاعم مؤثثة تأثيثا فاخرا وانتشرت فروعها فى أحياء تسكنها الطبقة الوسطى. جدير بالذكر أنها هى الأخرى تخصصت لنوع واحد من الأكلات ولم تضف إلا صحون الحلو وفى الغالب لم تخرج عن المهلبية والأرز المطبوخ مع الحليب.

• • •

خرجت من مصر إلى الهند لأسكن فى فندق بسيط للغاية فى دلهى القديمة. قضيت فى هذا الفندق أيامًا معدودة كانت رغم صعوبتها فرصة للتعرف عن قرب على طرق حياة الطبقات غير الميسورة فى المجتمع الهندى، أتصور أن معظم هذه الطرق زالت أو تغيرت مع التحول الهائل فى الاقتصاد الهندى ليصير الاقتصاد الرابع من حيث الحجم فى العالم المعاصر. لا مبالغة فى القول إننى عشت فترة أعتقد أن أرصفة الهند ما هى إلا قواعد متكاملة تعمل ليل نهار فى خدمة المواطن الهندى البسيط، وقتذاك. فوق تلك الأرصفة أقام الطباخون مطابخهم يقلون بالزيت معجوناتهم الوطنية الحارة وأنواع من الخضراوات المطبوخة فى صلصة الكارى الحارة أيضًا، وبعضهم يعد الدجاج الحار هو الآخر للشواء، وقد اكتسى جلده باللون الأحمر، لون الفلفل الأحمر الذى قضت فيه الدجاجات ليلة ما قبل الشواء غاطسة فى مزيج من المساحيق الفريدة متعددة الألوان والحرارة. إنها أكلة التاندورى الشهيرة ولها الآن مطاعمها المتخصصة فى الهند وفى العالم حيثما أقام المليونير أوبروى فنادقه ومطاعمه.

سافرت وعدت إلى المكان نفسه بعد مرور حوالى عشرين عامًا، ومعى وفد مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام بقيادة هيكل وبصحبة الزملاء محمد سيد أحمد وسميح صادق وحمدى فؤاد. الأرصفة ما تزال هناك ويحتلها عدد أقل من العيادات البدائية والورش اليدوية، الجديد عدد أكبر من مطاعم التاندورى، كان بودى لو أكلوا كما أكلت قبل عشرين سنة من أيدى طباخى الأرصفة وليس فى مطاعم مكيفة الهواء.

كنت فى الصين، وبالذات فى بكين مرتين. وفى المرتين دُعيت مرات لتناول العشاء فى مطعم تخصص فى تحضير وشواء البط البكينى، لا تختلف أساليب تربية وتسمين البطة فى الصين عن الأساليب «الوحشية» المتبعة فى فرنسا. إلا أنها تختلف فى الهدف. ففى الصين يجرى تسمين البطة داخل قفص بحجمها، وهى صغيرة ولا تغادره مهما طال الوقت لينتهى كل اللحم فيها إلى دهون تلتصق بجلد البطة، وهذا يخضع للشواء فى حضور الزبائن، يلتهمونه ساخنًا. أما فى فرنسا فتسمن البطة من أجل كبدها الذى ينتفخ، ويصبح جاهزًا ليتحول إلى ما يشبه المعجون، ويُباع بأرقام بدت لنا فلكية. أذكر أنه فى الحالتين لم تسمح دخولنا المتواضعة بدعوة ضيوفنا لتناول أى من الأكلتين. كنا فى غالب الزيارات ضيوفًا على وزارة الخارجية فى الدولة المعنية.

• • •

على ذكر فرنسا أذكر أن أحمد ماهر السيد، المستشار بالسفارة المصرية فى باريس، وجدير بالتنويه أنه كان أول دفعتنا، دفعة عام 1957، كملحقين فى وزارة الخارجية، دعانا، هيكل وأنا، لتناول غداء مبهر قوامه عنصر أوحد اشتهر به المطبخ الفرنسى، وتخصصت له مطاعم فاخرة تقدمه لزبائن وقوفا وتبدع فى تقديمه لزبائن حجزوا أماكنهم قبل أيام، أما العنصر الأوحد فهو الذى حمل منذ القرن الثالث عشر فى مسقط رأسه بمقاطعة بريتانى اسم «الكريب» ثم سمى أسماء شتى فى ثقافات مطابخ أخرى.

• • •

أذكر سنوات رائعة قضيتها فى روما، كان يمكن أن تكون أجمل وأروع لو سمحت مرتباتنا الشهرية، لكنها لم تسمح. كان الظن السائد بيننا كغرباء أن صحن المكرونة، أى صحن «الباستا» الإيطالية فى روما وإن اختلف شكلها ونوعها عن صحن الباستا فى كالابريا أو فى بولونيا فالمذاق فى النهاية واحد أو متقارب. كان ظنًا خائبًا، بدليل أن مطعمًا فى روما تخصص فى تقديم صحن من المكرونة العريضة نوعًا ما والمعروفة بالـ«فيتوتشينى»، أبدع فى صنعه حتى صار «الفريدو» وقتها مطعمًا مدرجًا على قائمة المنشآت السياحية فى إيطاليا. حاولنا فى بيوتنا تقليد صحن ألفريدو، وفشلنا وحاولت مطاعم كثيرة فى إيطاليا وخارجها وفشلت. جربته فى نيويورك وسنتياجو ومونتريال ولندن ومارسيليا، وكانت فى أغلبها تجارب فاشلة.

• • •

لا يجوز أن نأتى على ذكر مطاعم النوع الأوحد ولا أحكى عن تجربتى فى الأرجنتين. أّذكر أن فى يوم وصولنا إلى بيونس آيرس دعانا قريب أرجنتينى لزوجتى وعائلته لتناول الغداء فى أحد أهم وأكبر المطاعم المتخصصة فى تقديم اللحم المشوى، أذكره جيدا واسمه «لا استانسيا». أثار انتباهى وإعجابى هندسة وديكور وسعة المطعم إذ كانت جميع حوائطه وأرضيته من الخشب الخالص، وتستقبلنا نوافذه الخارجية ببقرة منزوعة الجلد وممتشقة الطول وقوفًا وإلى جانبها حمل وديع هو الآخر منزوع الصوف وممددًا وقوفًا. عدت إلى العاصمة الأرجنتينية بعد سنوات قبلت خلالها دعوة على غداء فى المطعم رقم مائة على كورنيش العاصمة المتمدد إلى جانب نهر لا بلاتا. لم يكن الكورنيش موجودًا خلال إقامتى المطولة قبل عشرين سنة فى هذه المدينة الجميلة ولا كان موجودًا هذا الصف الطويل من مطاعم دون أسماء، لكن لكل منها رقم ولا تقدم إلا الشواء.

• • •

استهلكت معظم المساحة المقررة لى فى هذه الصفحة، ولم آت بعد على ذكر معظم تجاربى مع مطاعم النوع الأوحد من الطعام فى كينيا وجزر القمور وعلى شواطئ موزمبيق وفى التلال المحيطة بمدينة فيينا وأزقة تونس والدار البيضاء وزنقاتهما وفوق قوارب فى هونج كونج وبانجكوك.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

جولة في مطاعم الطبق الأوحد جولة في مطاعم الطبق الأوحد



GMT 21:02 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

غطرسة شاهنشاهية

GMT 21:01 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

في الحديدة «ضَيَّعْت» الزَّمن!

GMT 21:00 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

اليمنيون هم أكبر ضحايا الحوثي

GMT 20:59 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الهروب من الوقائع لا يبعد الأخطار

GMT 20:58 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الإشكالية الكبرى؟!

GMT 20:57 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

أفكار وافدة

GMT 20:56 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حب استراتيجى !

GMT 20:55 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

مِنَح الجامعات الخاصة!

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates