أوكرانيا المرحلة التالية من الحرب

أوكرانيا: المرحلة التالية من الحرب

أوكرانيا: المرحلة التالية من الحرب

 صوت الإمارات -

أوكرانيا المرحلة التالية من الحرب

بقلم : أمير طاهري

 

يعي طلاب التاريخ أن بدء الحرب دائماً ما يكون أمراً سهلاً؛ وأن الصعوبة الحقيقية تكمن في وضع نهاية لها. والحرب المستعرة اليوم في أوكرانيا ليست استثناءً.

المشكلة أنَّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كان يظن أنَّه يعرف كيف يُنهيها. وبعد أكثر من ثلاث سنوات، أصبح واضحاً أنَّه لا يملك أدنى فكرة عن كيفية إنهائها، مثل غيره. وهذا «الغير» يتضمن كذلك الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي ساوره اعتقاد صادق بأنه يستطيع إنهاء الحرب عبر بعض المكالمات الهاتفية مع الـ«فلاديميرين»، (يشترك الرئيسان الروسي والأوكراني في الاسم، ويختلفان في طريقة كتابته).

ومع انشغال الرأي العام العالمي بما قد يحدث لاحقاً أكثر من اهتمامه بما يحدث فعلياً، تمر القصة الحقيقية -ويقصَد بها هنا أحدث تطورات الحرب- من دون أن يلاحظها الكثيرون.

لقد بدأت هذه الحرب بطريقة كلاسيكية لطالما عاينَّاها في كتب التاريخ، مع تقدم الدبابات الروسية والعربات المدرعة إلى داخل الأراضي الأوكرانية، كما لو كانت في عرض عسكري. وافترض كثيرون أن القوات الروسية الضخمة سرعان ما ستبلغ العاصمة الأوكرانية كييف، وتتلقى استسلاماً غير مشروط من القادة الأوكرانيين، وتُشكِّل حكومة جديدة، وتُعيد إحياء الأخوّة السلافية... إلا أن أياً من هذا لم يحدث.

في الواقع، تحوّل النزاع إلى حرب بالوكالة بين أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) وروسيا، المدعومة على استحياء من نصف دزينة من الدول، بينها بيلاروسيا، وإيران، وكوريا الشمالية.

وأدى احتمال عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، وتراجع الدعم الشعبي لكييف داخل أوروبا، إلى بدء الحديث عن تسوية تفاوضية للحرب، قد تؤدي إلى خسارة أوكرانيا جزءاً آخر من أراضيها، إلى جانب شبه جزيرة القرم.

ومع ذلك، ثمة قصة مغايرة تماماً كان يجري نسجها في الخفاء؛ فبدءاً من أوائل عام 2023، قرر القادة الأوكرانيون أن أفضل فرصة أمامهم للخروج من محنتهم الوطنية هي تحويل الصراع إلى حرب استنزاف. وبالفعل، نجحوا في ذلك، من خلال إبطاء تقدم الآلة العسكرية الروسية. وكانوا يدركون أن الغزاة لا يملكون نفس مستوى الصبر الذي يتمتع به المدافعون، وبالتالي من المحتمل ألا يستطيعوا الاستمرار في حرب لا نهاية واضحة لها.

ورغم المعاناة الكبيرة التي أنزلتها الحرب بالأوكرانيين، فقد أحرزوا انتصارات كبيرة عام 2024، لم تحظَ بالاهتمام العام المستحق. وتمكنت أوكرانيا، بمساعدة جزئية من البحرية البريطانية، من احتواء البحرية الروسية داخل بحر آزوف -منطقة ثانوية في البحر الأسود- عبر إغراق عدد من سفن بوتين، بما في ذلك السفينة الرئيسة.

أما التحوّل التالي في الاستراتيجية الأوكرانية، فجاء عندما وافق الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على خطة لتطوير قدرة حربية غير متماثلة، تجمع بين تكتيكات حرب العصابات والتكنولوجيا العسكرية.

لم تحقق العملية المفاجئة في مدينة كورسك كل ما وعدت به، من حيث فرض السيطرة على الأرض وتطهيرها. ومع ذلك، حملت في طياتها رسالة مفادها أن أجزاء من الأراضي الروسية، على اتساعها الشاسع، لم تَعُدْ ملاذاً آمناً.

الاثنين الماضي، ظهرت الرسالة ذاتها، لكن بقوة أكبر، عندما تسببت طائرات مسيّرة أوكرانية في خروج مطارات موسكو الأربعة من الخدمة، لأكثر من 14 ساعة. وحمل الهجوم السابق على مجمع تصنيع الأسلحة الضخم في بريانسك، رسالة مشابهة.

في الوقت نفسه، حاولت أوكرانيا التعويض عن نقص الأفراد -الذي تعاني منه كما تعاني روسيا- لا من خلال استقدام مرتزقة من كوريا الشمالية أو أفريقيا، بل من خلال تطوير صناعة محلية ضخمة لإنتاج الطائرات المسيّرة.

وخلال العام الماضي أو نحو ذلك، كانت أوكرانيا تنتج أكثر من 200 ألف طائرة مسيّرة شهرياً، وهي على طريق الوصول إلى هدف 2.5 مليون طائرة في السنة، قبل نهاية الصيف. في المقابل، لا تُنتج إيران -المورِّد الرئيس لروسيا- أكثر من 400 ألف وحدة في السنة.

ويساعد مئات من الخبراء التقنيين من أوروبا وكندا وأميركا، في تحويل أوكرانيا إلى مختبر ضخم، لتطوير معدات عسكرية عالية التقنية، تتضمن المركبات غير المأهولة لنقل الطواقم الطبية والمصابين من ساحات المعارك. ويشارك عدد متزايد من الشركات الناشئة في دعم أوكرانيا، لاستخدام تكنولوجيا الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي، في تطوير التكتيكات، واقتراح توليفات مختلفة من الأسلحة والأساليب، وتخصيص الموارد بشكل أكثر كفاءة. وبتصميمها على أن تصبح في طليعة البحث والتطوير العسكري التكنولوجي، خصصت أوكرانيا ثلث ميزانيتها الدفاعية لهذا البرنامج.

ويُكمل التقدم التكنولوجي، التدريب الكلاسيكي على حرب العصابات من الجهة الأخرى. ولا يزال الأوكرانيون يتذكرون جيداً كيف أن آلة الحرب النازية الضخمة، بقيادة المارشال فون باولوس (خطة بربروسا)، اجتاحت أراضيهم عام 1941 في غضون أسبوعين فقط، لكنها اضطرت بعد ذلك إلى خوض معركة خاسرة استمرت عامين، نتيجة تصاعد عمليات المقاومة وحرب العصابات ضد الغزاة.

وقد يشهد العام الجاري تكراراً للتاريخ، من خلال هجمات أوكرانية جديدة بأسلوب حرب العصابات، تستهدف البنية التحتية الروسية الرئيسة، بدءاً من الجسر الذي كلّف 18 مليار دولار، وبناه بوتين لربط شبه جزيرة القرم بالبر الروسي.

وبوصفها مختبراً لتطوير الأسلحة والتكتيكات الحربية الجديدة، قد تكون أوكرانيا مفيدة لحلف «الناتو»، إذ إنها تحتكر أكثر من نصف القدرات العسكرية غير النووية الروسية، في حرب لا يمكن الفوز فيها. وقد يكون ثمة إغراء كبير لترك الأمور تسير كما هي، لكن الحقيقة أن الناس يموتون كل يوم في هذه الحرب غير الضرورية وغير المرغوب فيها، والتي لا يتعذر النصر فيها.

لذلك، ينبغي أن يُنظر إلى تعزيز قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها على أنها سبيل نحو السلام التفاوضي، وليست ذريعة لإطالة أمد الحرب. وعلى الرئيس ترمب أن يُحيي محاولاته للوساطة من جديد، مع إدراكه هذه المرة أن بوتين لا يزال يملك أوراقاً في هذه اللعبة القاتلة، بينما زيلينسكي هو الآخر ليس خالي الوفاض، كما كان يظن البعض.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أوكرانيا المرحلة التالية من الحرب أوكرانيا المرحلة التالية من الحرب



GMT 21:02 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

غطرسة شاهنشاهية

GMT 21:01 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

في الحديدة «ضَيَّعْت» الزَّمن!

GMT 21:00 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

اليمنيون هم أكبر ضحايا الحوثي

GMT 20:59 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الهروب من الوقائع لا يبعد الأخطار

GMT 20:58 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الإشكالية الكبرى؟!

GMT 20:57 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

أفكار وافدة

GMT 20:56 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حب استراتيجى !

GMT 20:55 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

مِنَح الجامعات الخاصة!

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates