لحظة تاريخية فارقة

لحظة تاريخية فارقة!

لحظة تاريخية فارقة!

 صوت الإمارات -

لحظة تاريخية فارقة

بقلم - عبد المنعم سعيد

هذا مقال من قبيل المغامرة الفكرية التى لا ينصح بها الأكثر حكمة، خاصة فى وسط ظلمات كثيفة من الأحداث، ومفرقعات حارقة من المفاجآت. الفرضية التى نطرحها هنا هى أنه من الجائز أن تكون الزيارة التى سوف يأتى بها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، ربما تكون فارقة فى تاريخ الشرق الأوسط. قبل أسبوعين فقط كان التشاؤم قد حل بالبشرية نتيجة الحروب الجارية دولية وإقليمية وأهلية؛ وفوق كل ذلك أن كل آليات الانضباط التى تحد من الحروب أو من آلامها قد ضعفت أو انفرطت، من أول نظام الأمم المتحدة وحتى توازنات القوى التى وسط الهالات السيبرانية المختلفة لم تعد مقنعة فى التعبير عن «الحقيقة». الأكثر خطورة أن التوازن الدولى بات معلقًا بشخصية رئيس الولايات المتحدة «دونالد ترامب»، ورغم أن دور الفرد فى التاريخ ليس دائمًا مستبعد من التقدير، فإن من وصفه من قبل أحد العاملين معه بأنه «مختل Unhinged» لن يكون من هؤلاء الذين ينتظمون فى هذه الصفوف. الأخطر أن دراسة التاريخ لم تعد كما كانت، فلم يعد من السهل بحث الوقائع الكثيرة واستخلاص أنماط منتظمة منها. مجلدات «إدوارد جيبون» (١٧٣٧-١٧٩٤) عن «صعود وسقوط الإمبراطورية الرومانية» لا يتواكب مع انفجار وثائق «ويكيليكس» وبزوغ ترامب وإيلون ماسك لتقليم أظافر الحكومة الفيدرالية الأمريكية بينما يغير التجارة العالمية، وهو يقصف الحوثيين فى اليمن. لقد احتاج جيبون عمره لكى يتعقب تاريخًا ممتدًا من عصر الجمهورية الرومانية تحت حكم «ماركوس أوريليوس» فى عام ١٨٠ بعد الميلاد وحتى دخل العثمانيون القسطنطينية - إسطنبول الآن - عام ١٤٥٣. كانت دراسة جيبون تحتوى على ما يزيد على ألف عام من الملاحظة التاريخية، ومن ثم قامت على تعقب الأحداث والوثائق، وحتى اللغات المختلفة للأمم التى تفاعلت غزوًا ودفاعًا مع الإمبراطورية الرومانية.

و كباحث، وبغض النظر عن الانتقادات الكثيرة للعمل الذى قرأته من قبل إبان النقاش والحوار الكثيف حول كتاب بول كينيدى «صعود وسقوط القوى العظمى ١٥٠٠-١٩٨٠» والذى صدر عام ١٩٨٧؛ فإنه بات مستحيلاً أن ننظر إلى التاريخ باعتباره جزءًا من الماضى الذى على «المؤرخين» القيام بالبحث والتنقيب فيه، إما عن القوانين المنظمة لحركته، أو البحث عن الحقيقة فيما جرى، أو لاستنطاق أحوال حاضرة بمعرفة جذورها، أو باختصار التعرف على ما يسمى «دروس الماضي». المشكلة دائمًا أن ذلك الماضى كان مجهولًا، وفى جزء من تاريخ البشرية لم تكن معلومة لغة الأقدمين، واحتاج الأمر أن نكتشف، أو يكتشف شامبليون لنا، حجر رشيد لكى نفك شفرة ثلاثة آلاف عام من تاريخ مصر. ولم تكن اللغة وحدها هى التى تقف حجر عثرة فى وجه فك الشفرات الماضية، ولكن العصور كلها كان لها دائمًا منطقها الخاص وملابساتها، حتى بدت مهمة «عقلنة» التاريخ مضنية، بل إنها كانت قابلة للإنكار فى أحوال كثيرة.

طال الحديث كثيرًا عن التاريخ، ولكن اللحظة الفارقة جاءت بها صحيفة «الجيروزاليم بوست» الإسرائيلية فى ٧ مايو ٢٠٢٥ لكى تقول، نقلًا عن «مسئول أمريكى: إذا لم تستيقظ إسرائيل، فإن الولايات المتحدة سوف تعقد الصفقة السعودية بدونها». «الصفقة السعودية» كان شائعًا الحديث فيها قبل ما جرى فى ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ التى جاءت لإحباطها، ومنع امتداد السلام العربي-الإسرائيلى إلى ما بعد الدول العربية الست التى وقعت معاهدات السلام مع الدولة العبرية. كان العالم العربى قد انقسم بين دول وجماعات وميليشيات «المقاومة والممانعة» التى، بتأييد إيران، قد دفعت بالعنف فى اتجاه وقف عملية تاريخية، لم يكن «السلام» وحده هدفها، وإنما البناء والتعمير والاستقرار الإقليمى الشامل للدول التى ظلت فريسة «الربيع العربي» بما فيه من تمزيق وحروب أهلية. وبعد ١٨ شهرًا من الحرب فإن المشهد الإقليمى شهد انكسارًا لجميع قوى المعسكر الإيرانى، وبلغ أشده بتدمير ٧٠٪ من غزة وقتل ٥٢ ألفًا من أهلها، وضعفهم من الجرحى، وإعلان ٥٠٪ ممن تبقوا أنهم لا يمانعون من الرحيل. حدث ذلك بينما تستعد إسرائيل لتوسيع نطاق الاحتلال الذى سوف يكون دائمًا؛ وبينما تشتبك الولايات المتحدة منذ ١٥ مارس مع الحوثيين فى اليمن، وتعقد مفاوضات نووية مع إيران فى نفس الوقت. وللعلم، فإن إسرائيل هى الأخرى لم تخرج من المواجهة سليمة؛ ولكن الطاقة الوحشية الدينية بلغت مبلغها فى السعى نحو لحظة فاشية يتراوح فيها القتل والمجاعة.

المشهد كان سوداويًا بكل المقاييس، ولكن فيما يبدو، ولأسباب كثيرة، فإن زيارة ترامب إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية وقطر تحمل فى طياتها معادلة جديدة تقوم على صفقة يكون فيها السلام مقابل الاستثمار فى الولايات المتحدة. الاحتمال بدأ مع إعلان الرحلة، حيث قدم ترامب حديثًا عامًا يحمل مبادرة كبيرة وصفها بأنها «كبيرة» و«إيجابية» جدًا. ورغم الدهشة، فإن بعضًا من المصداقية أتى مع إعلان عمان اتفاق الطرفين الأمريكى والحوثى على وقف إطلاق النار؛ ولم يغب عن البال أن إسرائيل لم يشملها الإعلان. فى الواقع، فإن قيام عمان بمهمة الإعلان كان مقصودًا أن تترك لكل طرف أن يعلن الخبر بطريقته، فأعلن ترامب «استسلام» الحوثيين، وأنهم من الآن فصاعدًا لن يعتدوا لا على السفن الأمريكية ولا سفن التجارة الدولية. الحوثيون من جانبهم أكدوا على ذلك، مع استمرار قصف السفن الإسرائيلية. كان ذلك نقطة البداية فى سلسلة من الإعلانات التى تمهد لأمور تصب فى اتجاه المبادرة الإيجابية التى بشر بها ترامب.

كان لافتًا للنظر أن إيران رحبت بوقف إطلاق النار؛ وثانيًا أن طهران مع واشنطن أعلنا سويًا أن المفاوضات بينهما تسير، هى الأخرى، فى طريق إيجابى، وزادت واشنطن على ذلك أن الاتفاق الذى يمنع إيران من امتلاك السلاح النووى، سوف يقدم لدمج إيران فى الاقتصاد العالمي؛ أى رفع العقوبات الاقتصادية عنها. الجبهة الإيرانية هكذا باتت آخذة فى الهدوء، وفى غيبة إسرائيل مرة أخرى؛ وجاءت الغيبة الثالثة عندما بدأت الأنباء فى التوالى عن هدنة محتملة فى غزة يجرى فيها تبادل المحتجزين والأسرى مع توقف لإطلاق النار. وبعدها مبادرة أمريكية تبدأ بحاكم أمريكى لقطاع غزة مع حكومة تكنوقراطية فلسطينية، حيث لا مكان فيها لا لحماس ولا للسلطة الوطنية، مع احتمالات مشاركة عدد من الدول فى إدارة القطاع. إسرائيل دخلت فى نوبة عصبية قوامها أنها سوف تبقى فى الأماكن التى تسيطر عليها - أى أنها لن تتوسع - ولكنها سوف تستمر أيضًا فى تشجيع الفلسطينيين على الخروج من القطاع. الصيحة التى أعلنتها «جيروزاليم بوست» بدعوة إسرائيل للاستيقاظ، تشير إلى أن الولايات المتحدة إنما تعيد ترتيب منطقة الشرق الأوسط لمصلحة واشنطن؛ وبعد ذلك يمكن لإسرائيل أن تركب الركب أو أن تواجه العالم كله. التاريخ سوف يحتاج الكثير من البحث فى أصل التغيرات، ولكن فى اللحظة الراهنة، فإن الحكمة السياسية مطلوبة للتعامل مع واقع يتغير بما لا يُصدق!.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لحظة تاريخية فارقة لحظة تاريخية فارقة



GMT 05:44 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أوباما وترامب؟!

GMT 05:43 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

انفصال الشارع (1)

GMT 05:42 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

سياسات مدبولي!

GMT 05:41 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

«نصيب».. المتفرج أخذ أيضًا نصيبه من المعاناة!!

GMT 05:40 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

رأيت.. وسمعت

GMT 05:39 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

ثقافة الاحتجاج

GMT 05:38 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

كيف وصلنا إلى الآن ؟!

GMT 05:36 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

التعلم من الأخطاء

نجوى كرم تعيد صيحة الجلد إلى الواجهة بإطلالات عصرية

بيروت - صوت الإمارات
تواصل الفنانة اللبنانية نجوى كرم إبراز صيحة الجلد كواحدة من الخامات الأساسية في خزانتها، حيث تعود إليها بأساليب متجددة تتنقل خلالها بين القصّات اللافتة والألوان الجريئة. وفي أحدث ظهور لها من العاصمة الفرنسية باريس، شاركت كرم متابعيها صورة أمام برج إيفل عشية حفلها المرتقب على مسرح قصر المؤتمرات، حيث اعتمدت جمبسوت من الجلد الأسود بقصة محددة عند القوام مع حزام يبرز الخصر، وبرزت فيه تفاصيل الخياطة باللون الأبيض التي حددت أطراف الجيوب والسروال بأسلوب عصري، إلى جانب جاكيت جلدية قصيرة بأسلوب الترنش مع ياقة عريضة وتفاصيل كلاسيكية عند الكتفين، واكتمل اللوك بنظارات شمسية سوداء مستطيلة وحقيبة يد جلدية سوداء مزينة بتفاصيل معدنية بارزة، مع تسريحة شعر منسدل بتدرجات بنيّة ومكياج ناعم يرتكز على الشفاه البارزة بدرجات النود. وتستعيد خÙ...المزيد

GMT 10:54 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أحدث سعيدة خلال هذا الشهر

GMT 18:51 2021 الأربعاء ,10 شباط / فبراير

طموحات وأحلام لمؤدي رقصات التنين في فيتنام

GMT 03:55 2018 الأربعاء ,10 كانون الثاني / يناير

جزر الملكة شارلوت في كندا رحلة إلى العزلة على حافة العالم

GMT 21:56 2017 الثلاثاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

السجاد اليدوي الكردي جزء من التراث والفلكلور في كردستان

GMT 07:58 2018 الخميس ,18 تشرين الأول / أكتوبر

محمد بن راشد لملايين "الطلبة العرب" مستقبلكم هو التعليم

GMT 02:58 2018 الثلاثاء ,09 تشرين الأول / أكتوبر

حسن الرداد يكشف مفاجآت لجمهوره في "تخاريف" الاثنين المقبل

GMT 08:11 2018 الأحد ,18 آذار/ مارس

انخفاض وفيات الحوادث المرورية في دبي

GMT 13:09 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميرة بهاء تكشف عن مجموعتها الرائعة من أزياء الشتاء

GMT 23:33 2017 الإثنين ,02 كانون الثاني / يناير

لادا تعرض سيارتها النيفا ذو 5 أبواب الجديدة كطراز اختباري

GMT 06:48 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates