تقرير من الرياض 2

تقرير من الرياض (2)

تقرير من الرياض (2)

 صوت الإمارات -

تقرير من الرياض 2

بقلم - عبد المنعم سعيد

استكمالًا لما ذكرناه يوم الأحد الماضى فى «تقرير من الرياض (١)»، فإن مشهد الطابور الطويل لمائة من أصحاب الشركات الكبرى الأمريكية الذين جاءوا فى صحبة ترامب كان مثيرًا للغاية. أن تراقب «إيلون ماسك» صاحب ستارلينك وسبيس إكس، ومن بعده قائمة طويلة لشركات ألفابيت ونيفيديا للذكاء الاصطناعى وغيرها، يقول لك عن طبيعة المهمة: إنها ليست الدخول إلى العصر الذى نعيش فيه، وإنما هى باختراقه بأقصى سرعة ممكنة.

استكمال الصورة يأتى بالاستثمارات السعودية فى الولايات المتحدة، بدورها فى التداخل فى مجالات صناعة السلاح، والولوج إلى الساحة الأولى فى المجال الذى يجرى فيه التنافس الكونى حول الذكاء الاصطناعى AI. المملكة عندما تدخل إلى هذه الساحة، ليست نوعًا من بعثرة فائض مادى، وإنما هى أولًا تفعل ذلك على عشر سنوات، وثانيًا فإنها تبنى على ما فعله الملوك فهد وعبد الله وسلمان من قبل من إرسال البعثات التعليمية إلى أرقى المعاهد العلمية فى الولايات المتحدة وغيرها من الدول المتقدمة.

وإذا كان الوالى محمد على فى مصر قد جلب الحداثة على أكتاف ٣٢٤ طالبًا مصريًا ذهبوا إلى أوروبا وعادوا لكى يُقيموا مصر الحديثة، فإن الأمر فى الحالة السعودية يُحسب بمئات الألوف. اللحظة كانت بالفعل «تاريخية» رغم أن صلتها بقضايا المنطقة الحرجة غير مباشرة، لأنها تبنى عناصر القوة لدولة عربية شقيقة؛ فإن أهميتها تنبع بالمشاركة فى سباق تاريخى.

المشهد الثانى كان تحويل كل ما سبق إلى اتفاقيات عامة فى التعاون الاقتصادى والإستراتيجي؛ وخاصة فى كل المجالات التى يمكن أن يتفتق الذهن عنها. ولمن لا يعلم، فإن المملكة العربية السعودية حسمت قضية تبنّى اقتصاد السوق، وخلال عشر سنوات نجحت بالفعل فى تنويع مصادر دخلها، وحوّلت كل أشكال الفنون والرياضة إلى مجالات تجلب الدخل وتعزز السياحة، والأهم: إغناء سبل التفكير فى عالم متغير ولا يكفّ عن التغيير، مع إيمان عميق بأن العجلة لا يُعاد اختراعها مرة أخرى، وإنما اختراق الفضاء هو ما يجب الولوج فيه.

فى المملكة، فإن قضايا مثل الملكية أو الإيجار فى السكن، والعلاقة بين المالك والمستأجر فى القانون، لم تعد من القضايا المجتمعية، لأن مثل ذلك مكانه السوق، أى العرض والطلب. مثل ذلك هو حجر الزاوية فى جذب السائحين والمستثمرين معًا. وهكذا جرى طابور التوقيع بين المسؤولين، كلٌّ حسب تخصصه، وعلى الجانبين كان الرئيس ترامب وولى العهد السعودى محمد بن سلمان يبتسمان ويستعدان لكلمات مفعمة بالصداقة.

ما بدا فى مشهد اليوم الأول كله، كان فيه ترامب يرسل رسائل: أولها إلى الداخل الأمريكى بما يجلبه لها من أموال واستثمارات، وثانيها إلى إيران التى لها التقدير فى المفاوضات الجارية، حيث الخط الأحمر هو امتلاك السلاح النووى، فإذا ما أصرت إيران، فإن كل الخيارات مفتوحة. ولكن إذا كان الخيار الإيرانى هو التطبيقات السلمية النووية، فإن لإيران مكانًا فى الاقتصاد العالمى.

وثالثها - فيما أظن - كان لإسرائيل، ونتنياهو تحديدًا، أن الولايات المتحدة قد عادت إلى الشرق الأوسط، وأن عودتها تقوم على بحث عن الاستقرار والرخاء حيث يوجد، وهو ما يوجد منه الكثير فى السعودية ودول الخليج؛ وفى كل الأحوال، فإن العلاقة بين واشنطن والعواصم الخليجية تفيد إسرائيل.

الأجواء فى «واحة الإعلام» كانت تضج بالكثير من الأقوال والشائعات، وأبرزها أن زيارات مفاجئة سوف تحدث من قبل الرئيس السورى أحمد الشرع، والرئيس اللبنانى جوزيف عون، والرئيس الفلسطينى محمود عباس. كان فى الأجواء بعض من التفاؤل أن كل المشكلات يمكنها أن تُحل نتيجة ما صاحب اللقاء السعودى الأمريكى من أجواء مبشّرة.

ما صحَّ فى النهاية جاء من قبل الرئيس ترامب، الذى أعلن أنه بناءً على توصية من ولى العهد السعودى، فإنه على استعداد لرفع العقوبات عن سوريا. الخبر عندما وصل إلى الأجواء السورية فجّر نوبة أخرى من الأفراح العارمة، التى تماثل ما حدث فى ٨ ديسمبر الماضى عندما سقط نظام بشار الأسد.

لم يكن أحد يعلم ما سوف يخبئه سواد الليل، وأنه فى الصباح سوف يخرج الرئيسان اللبنانى والفلسطينى من موجة الشائعات، وأن الرئيس السورى سوف يحضر شخصيًا. وعندما اكتمل الجمع الإعلامى فى الصباح، كانت الشاشات تبوح بوصول الشرع، وأنه سوف يقابل ترامب، الذى سأله الصحفيون عن ذلك وهو فى طريقه إلى لقاء القمة الخليجية، وكانت إجابته مختصرة: «أعتقد ذلك».

التقى ترامب بالفعل مع أحمد الشرع بعد أن ذهب إلى القمة الخليجية واستمع إلى القادة الذين من ناحية عبروا عن سعادتهم بخطوة رفع العقوبات عن سوريا، ومن ناحية أخرى عبروا عن غضبهم بما تفعله إسرائيل من إرهاب على الشعب الفلسطينى. ألقى الجميع بالمسؤولية على الولايات المتحدة أن تقوم بالضغط على إسرائيل لكى تفتح أبواب الإغاثة من الجوع والعطش والدواء، وإعطاء الشعب الفلسطينى حقوقه المشروعة، وتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة. ما كان مسكوتًا عنه الآلية التى سوف يتم بها تحقيق ذلك؛ ومع رجل للصفقات مثل ترامب فإنه ينتظر من المتحدثين إليه أن يحددوا المسار المطلوب، والأهم المقابل لما سوف يقوم به وسط ظروف داخلية أمريكية تعطى لإسرائيل مكانة خاصة. المرجح أن ما دار فى ذهن ترامب وقتها ظهر عندما جرى الإعلان عن المقابلة مع أحمد الشرع، فإن الحديث تطرق إلى قبول سوريا الدخول فى مسار «السلام الإبراهيمى»؛ وبالطبع بعد أن تعيد سوريا ترتيب أوضاعها الصعبة. وفى الواقع كان ترامب، وقد جعل من الزيارة للخليج ضغطًا على إسرائيل، فإنه فى ذات الوقت لم يخف أن حصد نتائج الضغط يبدأ بالاستعداد لمسيرة سلام دافئ مع إسرائيل.

إلى هنا توقفت المتابعة بعدما غادر الجمع واحة الإعلام، ولكن أخبار الدوحة كانت قريبة المنوال، فمن خلال مفاوضات غير مباشرة بين ترامب ومن خلال الطاقة القطرية، جرى الحديث عن وقف إطلاق النار بين ترامب وقيادات حماس، وهناك فإنه تلقى رسائل من إسرائيل تسأل عما إذا كان ممكنًا للرئيس الأمريكى أن يزور القدس، فكانت الإجابة هى أنه لا يستطيع ما لم يحدث وقف لإطلاق النار. ما حدث فى الدوحة لم يكن يختلف كثيرًا عما جرى فى الرياض، حيث جرت اتفاقيات اقتصادية ودفاعية وطلبت قطر شراء ١٦٠ طائرة ركاب من شركة بوينج. وفى الظن أن زيارته بعد ذلك لدولة الإمارات العربية المتحدة لن تختلف عما جرى فى العاصمتين السابقتين؛ وبقى الأمر هو ما سوف يتلو هذه الرحلة، فالثابت أن ترامب كان مشغولًا، إلى جانب نجاح رحلته فى الخليج، فإن متابعة مشروع التفاوض بين روسيا وأوكرانيا كان دافعًا له للبحث فى حضور الاجتماع الأول بين بوتين وزيلينسكى. وفى الخليج والعالم العربى فإن هناك لحظة حاسمة قريبة تستوجب تفكيرًا كثيرًا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تقرير من الرياض 2 تقرير من الرياض 2



GMT 05:44 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أوباما وترامب؟!

GMT 05:43 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

انفصال الشارع (1)

GMT 05:42 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

سياسات مدبولي!

GMT 05:41 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

«نصيب».. المتفرج أخذ أيضًا نصيبه من المعاناة!!

GMT 05:40 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

رأيت.. وسمعت

GMT 05:39 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

ثقافة الاحتجاج

GMT 05:38 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

كيف وصلنا إلى الآن ؟!

GMT 05:36 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

التعلم من الأخطاء

نجوى كرم تعيد صيحة الجلد إلى الواجهة بإطلالات عصرية

بيروت - صوت الإمارات
تواصل الفنانة اللبنانية نجوى كرم إبراز صيحة الجلد كواحدة من الخامات الأساسية في خزانتها، حيث تعود إليها بأساليب متجددة تتنقل خلالها بين القصّات اللافتة والألوان الجريئة. وفي أحدث ظهور لها من العاصمة الفرنسية باريس، شاركت كرم متابعيها صورة أمام برج إيفل عشية حفلها المرتقب على مسرح قصر المؤتمرات، حيث اعتمدت جمبسوت من الجلد الأسود بقصة محددة عند القوام مع حزام يبرز الخصر، وبرزت فيه تفاصيل الخياطة باللون الأبيض التي حددت أطراف الجيوب والسروال بأسلوب عصري، إلى جانب جاكيت جلدية قصيرة بأسلوب الترنش مع ياقة عريضة وتفاصيل كلاسيكية عند الكتفين، واكتمل اللوك بنظارات شمسية سوداء مستطيلة وحقيبة يد جلدية سوداء مزينة بتفاصيل معدنية بارزة، مع تسريحة شعر منسدل بتدرجات بنيّة ومكياج ناعم يرتكز على الشفاه البارزة بدرجات النود. وتستعيد خÙ...المزيد

GMT 10:54 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أحدث سعيدة خلال هذا الشهر

GMT 18:51 2021 الأربعاء ,10 شباط / فبراير

طموحات وأحلام لمؤدي رقصات التنين في فيتنام

GMT 03:55 2018 الأربعاء ,10 كانون الثاني / يناير

جزر الملكة شارلوت في كندا رحلة إلى العزلة على حافة العالم

GMT 21:56 2017 الثلاثاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

السجاد اليدوي الكردي جزء من التراث والفلكلور في كردستان

GMT 07:58 2018 الخميس ,18 تشرين الأول / أكتوبر

محمد بن راشد لملايين "الطلبة العرب" مستقبلكم هو التعليم

GMT 02:58 2018 الثلاثاء ,09 تشرين الأول / أكتوبر

حسن الرداد يكشف مفاجآت لجمهوره في "تخاريف" الاثنين المقبل

GMT 08:11 2018 الأحد ,18 آذار/ مارس

انخفاض وفيات الحوادث المرورية في دبي

GMT 13:09 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميرة بهاء تكشف عن مجموعتها الرائعة من أزياء الشتاء

GMT 23:33 2017 الإثنين ,02 كانون الثاني / يناير

لادا تعرض سيارتها النيفا ذو 5 أبواب الجديدة كطراز اختباري

GMT 06:48 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates