عودة الجغرافيا السياسية والاقتصادية

عودة الجغرافيا السياسية والاقتصادية

عودة الجغرافيا السياسية والاقتصادية

 صوت الإمارات -

عودة الجغرافيا السياسية والاقتصادية

بقلم: عبد المنعم سعيد

كُتاب العلاقات الدولية ركزوا منذ بداية القرن العشرين على أهمية الأوضاع «الجيوسياسية» بين الدول، وبينما كانت البداية التوازن ما بين اليابسة والماء فى التسليح وحركة الجيوش، فإن مُضى القرن ودخول تكنولوجيات جديدة قدمت السيارات والمدرعات والطائرات إلى ميادين القتال خلقا أدوارا جديدة لليابسة كحاضنة لتقدم الجيوش وتراجعها الاستراتيجى، والماء بات حاضنا للسفن والغواصات التى لديها القدرة على نقل أعداد كبيرة من الجنود؛ والتى تحتوى على أسباب للردع، مع حمل صواريخ نووية تصعب معرفة موقعها فى أعماق المحيطات. «التاريخ» بين الأمم مثل دائما نظرة إلى الجغرافيا فى تلازمها مع طفرات الزمن وتراكمات كمية تفرز مع الزمان تغييرات نوعية. التطورات التكنولوجية فى السماء والبحر تجاوز الحواجز والموانع الجغرافية، وباتت البضائع والسلع والبشر والقيم تنتقل بسرعة العولمة بين الدول والأمم.

فى نفس الوقت فإن الحالة الشرق أوسطية التى تلت «الربيع العربى» قامت سياسيا واستراتيجيا على أساس مفهومين: أولهما أن التناقضات والصراعات داخل الدولة أشد وأكثر دموية من أى صراعات إقليمية أخرى. انتشرت الحرب الأهلية فى أكثر من دولة، سوريا والعراق واليمن وليبيا أمثلة معروفة، وفى بلدان أخرى كانت التوترات حادة واستلزمت إما تدخلا خارجيا كما حدث فى البحرين أو تولت القوات المسلحة إدارة السياسة. فى كل الأحوال كانت مشاهد العنف والتفاعلات الحادة داخل الدولة ذات طبيعة سياسية واقتصادية وطائفية ومذهبية، وما جاء من خارجها كان اعتمادا على أطراف داخلية قادرة على التعبئة والحشد والمواجهة. وثانيهما أن الدولة، ربما نتيجة ما سبق، تقلصت فاعليتها كفاعل أساسى فى العلاقات الإقليمية، وظهر إلى جانبها فاعلون ليسوا بدول مثل جماعة الإخوان الإرهابية، وتوابعها من القاعدة وحتى «داعش». السمة الأساسية لهذه «الفواعل» أنها كانت تعمل عبر الدول، ولها تصوراتها الخاصة لفكرة الدولة، حتى إن واحدة منها- داعش- أقامت «دولة الخلافة» عبر الحدود العراقية السورية، متحدية فى ذلك الجغرافيا السياسية التى استقرت فى المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. المدهش أن هؤلاء الفاعلين الجدد لم تفلح وحدة العقيدة والتشدد الأيديولوجى بينهم فى منع صراعات دموية جرت بين القاعدة وداعش، وبين كليهما والإخوان المسلمين.

الآن فى النصف الثانى من العقد الثالث من القرن العشرين فإن العالم والشرق الأوسط يشهدان عودة الجغرافيا السياسية بامتياز، وتَلازُم الجوار الجغرافى مع العنف والحرب، بعد أن استعادت الدولة وإقليمها مكانتهما. الجغرافيا هنا ليست خطوطا على الخرائط، وإنما هى القلاع التى تحيط بالديموغرافيا وهويتها ونظرتها إلى موقعها وسط دول عديدة. «حرب إيران» الجارية التى احتضنت حرب غزة الخامسة فتحت الباب على مصراعيه لجغرافية «مضيق هرمز» لكى يكون مفتاحا ليس فقط بين طهران وواشنطن على أبواب الأسلحة النووية؛ وإنما أكثر من ذلك مفتاحا للطاقة، حيث يمر 20٪ من البترول إلى الأسواق العالمية والاقتصاد الدولى. حديث المضايق بات وصفا مباشرا لإحدى مراحل الحرب التى عندها تقوم إيران بتحدى العالم وتفرض وصايتها على المضيق؛ وتقوم الولايات المتحدة بالحصار على الحصار عن طريق قفل الطرق على الموانئ الإيرانية والانقضاض على السفن التى تخرج منها وتعود إليها وتقوم بأسر بحاراتها، وسلب ما فيها من نفط وسلع وبضائع فيما سماه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب «أعمال القرصنة». وحينما قامت الولايات المتحدة برسم مسار «الحرية» الآمن للسفن العالقة لمرور السفن من ميناءى عجمان الواقع على الخليج العربى والفجيرة الواقع على خليج عمان فى الإمارات العربية المتحدة؛ فإن إيران قامت بعدوان غاشم بالصواريخ والمسيرات على الدولة.

عودة الجغرافيا السياسية هذه المرة لا تستعيد فقط قصص الاستيلاء على الأرض أو قطاعات من البحر؛ أو تكتفى بالحصول على الموارد الطبيعية، ومنها النفط والغاز اللذان يوجدان فى أراضى دول أخرى، وإنما تخلق آليات أزمة عالمية، ربما تأتى بأصداء أحداث سابقة ترتبط بقناة السويس المصرية فى 1956 أو 1967 أو مضيق باب المندب فى 1973. وأكثر من ذلك تثير الحرب السعى نحو تغييرات جذرية وهيكلية بنقل ممرات النفط والغاز من البحر إلى البر؛ وتقضى بالعودة إلى الطاقة النووية؛ والطاقة الخضراء الشمسية وغيرها من الرياح والتحولات العضوية. تصور مثل هذه النتائج فى نطاق عالمى متسع يضع أهمية المنطقة الشرق أوسطية موضع الاختبار؛ وفى نفس الوقت تفرز تحولا فى التاريخ الإنسانى لا يقل عن طاقة البخار وآلة الاحتراق الداخلى والسيارات الكهربائية، وكلٌّ منها بشّر بعالم جديد.

فى مصر تجرى عملية كبيرة لتوظيف الجغرافيا السياسية والاقتصادية، حيث ارتبطت مدينة السويس بمنطقة جنوب سيناء مع جسر السلام الذى يربط الوادى بشمال سيناء، ومشروع السوميد الذى ينقل النفط الخليجى من البحر الأحمر إلى البحر الأبيض. المشروع قام على ستة أنفاق أسفل قناة السويس تكفل انتقال البشر والبضائع بين الجانبين. مشروع محور قناة السويس هو أضخم المشروعات التنموية التى عرفتها مصر فى تاريخها الحديث، وهو يقوم على مثلث رأسه ميناء بورسعيد ودمياط فى شمال قناة السويس، وقاعدته طريق القاهرة- العين السخنة الذى تشغله العاصمة الإدارية، وضلعه الشرقى هو قناة السويس، والغربى فرع نيل دمياط. وهناك بعد ذلك ما هو أكثر.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عودة الجغرافيا السياسية والاقتصادية عودة الجغرافيا السياسية والاقتصادية



GMT 05:44 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أوباما وترامب؟!

GMT 05:43 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

انفصال الشارع (1)

GMT 05:42 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

سياسات مدبولي!

GMT 05:41 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

«نصيب».. المتفرج أخذ أيضًا نصيبه من المعاناة!!

GMT 05:40 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

رأيت.. وسمعت

GMT 05:39 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

ثقافة الاحتجاج

GMT 05:38 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

كيف وصلنا إلى الآن ؟!

GMT 05:36 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

التعلم من الأخطاء

نجوى كرم تعيد صيحة الجلد إلى الواجهة بإطلالات عصرية

بيروت - صوت الإمارات
تواصل الفنانة اللبنانية نجوى كرم إبراز صيحة الجلد كواحدة من الخامات الأساسية في خزانتها، حيث تعود إليها بأساليب متجددة تتنقل خلالها بين القصّات اللافتة والألوان الجريئة. وفي أحدث ظهور لها من العاصمة الفرنسية باريس، شاركت كرم متابعيها صورة أمام برج إيفل عشية حفلها المرتقب على مسرح قصر المؤتمرات، حيث اعتمدت جمبسوت من الجلد الأسود بقصة محددة عند القوام مع حزام يبرز الخصر، وبرزت فيه تفاصيل الخياطة باللون الأبيض التي حددت أطراف الجيوب والسروال بأسلوب عصري، إلى جانب جاكيت جلدية قصيرة بأسلوب الترنش مع ياقة عريضة وتفاصيل كلاسيكية عند الكتفين، واكتمل اللوك بنظارات شمسية سوداء مستطيلة وحقيبة يد جلدية سوداء مزينة بتفاصيل معدنية بارزة، مع تسريحة شعر منسدل بتدرجات بنيّة ومكياج ناعم يرتكز على الشفاه البارزة بدرجات النود. وتستعيد خÙ...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 10:54 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أحدث سعيدة خلال هذا الشهر

GMT 18:51 2021 الأربعاء ,10 شباط / فبراير

طموحات وأحلام لمؤدي رقصات التنين في فيتنام

GMT 03:55 2018 الأربعاء ,10 كانون الثاني / يناير

جزر الملكة شارلوت في كندا رحلة إلى العزلة على حافة العالم

GMT 21:56 2017 الثلاثاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

السجاد اليدوي الكردي جزء من التراث والفلكلور في كردستان

GMT 07:58 2018 الخميس ,18 تشرين الأول / أكتوبر

محمد بن راشد لملايين "الطلبة العرب" مستقبلكم هو التعليم

GMT 02:58 2018 الثلاثاء ,09 تشرين الأول / أكتوبر

حسن الرداد يكشف مفاجآت لجمهوره في "تخاريف" الاثنين المقبل
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates