الجنوح يميناً

الجنوح يميناً

الجنوح يميناً

 صوت الإمارات -

الجنوح يميناً

بقلم - سوسن الأبطح

لا يمر يوم من دون حوادث بين متطرفين ومهاجرين مسلمين في أوروبا، ولا يمر يوم إلا وتتدفق قوارب الهاربين من البؤس إلى شواطئ تلك القارة التي بدأت الديون تنهكها، والأزمات ترهقها. فلا التهديدات بطرد العرب تنفع، ولا صعود نجم المتشددين يلجم. صغار المهاجرين ليسوا ممن يصغي لنشرات الأخبار، فيما كبار السياسيين لهم مشاغل داخلية في بلادهم، تمنعهم من قراءة فسيفساء المشهد الدولي المعقد بحكمة.
الهرج الذي رافق فوز الائتلاف اليميني الإيطالي بزعامة حزب «إخوة إيطاليا» المتطرف، واقتراب زعيمته جورجيا ميلوني من ترؤس الحكومة، ليس سببه أنها ستتمكن من تنفيذ كل تمنياتها بضربة واحدة، وهذا صعب، بل مستحيل. المخاوف متأتية من أن إيطاليا، كانت ترسم، تاريخياً، مؤشر المزاج الأوروبي وتوجهاته المستقبلية.
قبل ميلوني الإيطالية، كان الرئيس دونالد ترمب قد أثار لعاب الحمائيين، والخائفين من العولمة والانفتاح، وأطلق من قلب عاصمة التجارة الحرة والشركات العابرة للقارات، شعاره المفضل «أميركا أولاً»، وسعى جهده لوقف الهجرة، وبناء جداره الأثير مع المكسيك، وإعادة الصناعات الأميركية إلى عرينها. سياسات جو بايدن الاقتصادية، بعد ذلك، مع زيادة التضخم وارتفاع الأسعار، لم تهدئ من روع العنصريين الأميركيين، بل على العكس زادت حماسة البيض للدفاع عن طروحاتهم، وتنشيط حركتهم، والاستعداد للوثوب على الرئاسة في الدورة المقبلة.
فوز ميلوني في إيطاليا، العضو المُؤسّس للاتّحاد الأُوروبي وثالث أكبر اقتصاد في «منطقة اليورو»، أحدث زلزالاً في النفوس، خاصة أنه يأتي بعد انتصار اليمين المُتطرّف في الانتخابات السويدية أيضاً.
فقد أصبح حزب «الديمقراطيين السويديين» أكبر أحزاب اليمين وثاني أكبر حزب في البلاد، تماماً كما هو حال «الجبهة الوطنية الفرنسية»، وزعيمتها مارين لوبن، التي ورثت والدها، وكان مقصياً يستحق من بقية السياسيين الهزء والسخرية. شهدت الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة منافسة شرسة بين إيمانويل ماكرون ومارين لوبن المعارضة لسطوة الاتحاد الأوروبي والمطالبة بوقف الهجرة. ورغم فوز ماكرون بنسبة 58 في المائة من الأصوات، فقد فازت لوبن بـ41 في المائة، بارتفاع قياسي عما كانت تحلم به في انتخابات سابقة.
بالعودة إلى السويد معقل التسامح وحقوق الإنسان، حصل «الحزب الديمقراطي السويدي اليميني»، الذي يتغنى بعض قادته بأفكارهم النازية، على ما يقارب ربع المقاعد البرلمانية، ما يؤهلهم لتكون لهم الكلمة الفصل في القرارات المقبلة. ولا يستبعد أن ينالوا في انتخابات آتية نتائج تضعهم مباشرة في موقع القيادة.
فإذا كانت فرنسا وألمانيا وهولندا قد نجت لغاية الآن، من قبضة التشدد، فإن رئيس الوزراء المجري المحافظ فيكتور أوروبان يعطي نموذجاً واضحاً عما يمكن أن تكون عليه الحكومات الأوروبية المقبلة، فهو في معارضة مستمرة، ومواجهات لا تتوقف مع البرلمان الأوروبي.
الأحزاب اليمينية الشعبوية ليست معجبة بسطوة بروكسل ولا بقراراتها التي ترى فيها «ديكتاتوية» تنتقص من السيادة الوطنية، ومع ذلك سيجدون أنفسهم، حين يصلون للسلطة، مضطرين لمسايرة قرارات الاتحاد والبقاء تحت مظلته، على الأقل في الوقت الراهن من أوروبان، وصولاً إلى الفاشية الصغيرة تلميذة برلسكوني، جورجيا ميلوني، فثمة مصالح وتمويلات ومساعدات وديون، وتشابك مصالح.
المهاجرون ليسوا وحدهم من يثيرون شعور الشعوب الأوروبية بأن التغيرات لم تعد لصالحهم. باتت الأسباب متداخلة. حرب أوكرانيا وما تبعها من تضخم وشحّ في الطاقة، وارتفاع كلفة الحياة، وإحساس المواطنين بضيق الحال... كل هذا لن يشجع أكثر على التطرف والعنصرية بالضرورة، فليس هذا ما يطلبه الجمهور عادة، وإنما الحياة الكريمة التي أخفقت في تأمينها الأحزاب التقليدية المعتدلة، من يمين ويسار ووسط حين لا يوجد بديل غير المتطرفين من يسار ويمين.
رغم صرخات الخوف، وصيحات الإنذار، بسبب فوز الزعيمة الإيطالية ميلوني التي أبدت ذات يوم إعجابها بموسوليني، فإن ثمة من يقلل من خطورة الوضع، لأن النظام السياسي الإيطالي لديه ما يكفي من العوائق ليكبح ميلوني من تنفيذ أحلامها وتحقيق أمنياتها.
لا شيء يشي لغاية اللحظة، بأن الأزمات الحياتية التي تمر بها أوروبا ستجد وصفات لحلها غداً، والعودة إلى العقل، بل على العكس، سيذهب العالم إلى مزيد من الصدامات والنزاعات، وتآكل الموارد، كما تصاعد عدد المهاجرين من جنوب المتوسط وشرقه إلى ضفته الشمالية، أضف إليهم اليوم الأوكرانيين الذين استقبلوا بالترحاب، لكن الأرض بدأت تضيق بمن عليها.
المؤسف أن العنصرية والتطرف يتمددان شرقاً أيضاً. فالهند بفسيفسائها الثمين، درّة الديمقراطية والتعددية، تجنح هي الأخرى، يميناً وبقسوة مع ناريندرا مودي، وأفكاره القومية الهندوسية، في مجتمع يشكل فيه المسلمون كتلة وازنة، ما يهدد بتشظي مجتمع هشّ، أشد ما يحتاج للتكافل والألفة.
التطرف مع صعود اليمينيين الانطوائيين والشعبويين، خطورته ليست في الأحزاب المتشددة وحدها وأفكارها العنصرية، بل باستجرار أشد المعتدلين إلى خطاب عدائي تقسيمي، خلال سباقات استمالة الناخبين.
ثمة من يخشى أن يكون المهاجرون المسلمون، هم من سيدفعون ثمن النازية الجديدة، التي تتمدد بسرعة هائلة، مع نمو حجم الأزمات الاجتماعية، بعد أن كان اليهود هم كبش المحرقة في ظرف مماثل قبل 100 سنة.
يغيب عن ذهن المحللين الغربيين أن التطرف أخطر ما يكون على أصحابه، لأنه قادر على تدمير القيم ونسف الدساتير، وتقسيم الناس تبعاً لأديانهم، ومذاهبهم وأعراقهم وألوانهم، وحركة حدقات عيونهم. فليس أخطر على المجتمعات من الدخول في مرض التشظي، ووضع المواطنين في خانات، ورميهم بالاتهامات.
أوروبا لا تزال في مأمن، وتصحيح المسار ليس بمستبعد، لكن خطر التشظي، على المدى المتوسط، وارد جداً.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الجنوح يميناً الجنوح يميناً



GMT 02:30 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

السادة الرؤساء وسيدات الهامش

GMT 02:28 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

«وثائق» عن بعض أمراء المؤمنين (10)

GMT 02:27 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

من يفوز بالطالب: سوق العمل أم التخصص الأكاديمي؟

GMT 02:26 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

روبرت مالي: التغريدة التي تقول كل شيء

GMT 02:24 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية وفشل الضغوط الأميركية

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates