من اغتال القطار

من اغتال القطار؟

من اغتال القطار؟

 صوت الإمارات -

من اغتال القطار

بقلم - سوسن الأبطح

ليس جزافاً، أن تحيي صحيفة «الإيكونوميست» البريطانية، قصة «قطار الشرق السريع» في ظرف شديد الحساسية كالذي نعيش، وتعرّج على تاريخ المنطقة العربية من باب سكك الحديد، التي شهدت تدميراً ممنهجاً منذ بداية القرن الماضى. قصة انهيار المنطقة العربية وتفتت نسيجها الاجتماعي، مرتبط عضوياً، بقطع شرايين التواصل ووقف القطارات، وسدّ الأفق الإنساني، والقضاء على موزاييك التعايش الديني والعرقي الممتد لمئات السنين. فقد كان المسيحيون العرب على سبيل المثال، 20 في المائة من السكان، بداية القرن العشرين، وبالكاد يصلون اليوم إلى خمسة في المائة. بالتأكيد لم يغادر كل هؤلاء بيوتهم بسبب قلة القطارات، لكنها شريان أمل، ووسيلة تلاق، وردم للمسافات، وحبل وصال.

ثمة حيوية في بعض الدول العربية لإحياء القطارات من جديد، ووصل ما انقطع، لكن الشبكة التي حرص العثمانيون على بنائها، وأهم أجزائها قطار الحجاز، كانت أول ما استهدف للإطاحة بالسلطنة ومعها كسرت بنى سياسية واجتماعية، متكاملة. الإنجليز كانوا يرون في مصر نقطة التقاء بين أوروبا والهند، فأدخلوا القطارات باكراً جداً إليها، منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر، وربطوا السويس بالإسكندرية، لتشهد مصر بذلك، ولادة أول قطار في كل أفريقيا والشرق الأوسط. ولم تقصّر فرنسا من ناحيتها، في مد الخطوط بين بلدان المغرب العربي، لتسهيل حركتها الاستعمارية، لكن الخلافات البينية، قضت على وظيفتها الرئيسية.
المأساة الحقيقية، أن الحركة الصهيوينة، لم تكن وحدها التي تآمرت على سكك الحديد، ففجرت وقتلت ودمرت، لعزل فلسطين والتفرد بها. العرب أنفسهم، والمتضررون منهم بشكل خاص، لمصالح ذاتية، ضيقة أو مدفوعين من قبل استخبارات خارجية، شاركوا في تقطيع هذه الشرايين التي امتدت لآلاف الكيلومترات، وكان بمقدورها، أن تغذي الاقتصاد وتدعّم التجارة، وتخفض من منسوب الفرقة والتنابذ والعنصرية.
من يافا أو حيفا، بمركزيتهما الجغرافية، كان بمقدورك أن تستقل القطار إلى بلدان عربية كثيرة مجاورة. ومن طرابلس اللبنانية، كان الركاب يسافرون إلى فلسطين، حيث يقضي البعض سهرته ويعود، في الليلة نفسها. وإذا ما اتجه الطرابلسي بالقطار شمالاً يصل إلى سوريا وإسطنبول، ومن هناك يأخذ تذكرة بخسة الثمن إلى أي وجهة يريدها في أوروبا، حيث قطار الشرق السريع، الذي تحول إلى أسطورة، إنْ لفخامة قاطراته أو لروعة المناطق التي يمر بها.
بفضل القطار مرّت أسمهان في طرابلس، وطلبت الكمثرى والتفاح، وكتبت أغاثا كريستي واحدة من أشهر رواياتها التي تدور أحداثها وجريمتها شبه المكتملة، في «قطار الشرق السريع».
فهذا القطار الذي توقفت رحلاته عام 2009، وصل امتداده إلى لبنان ومصر وسوريا، مما قرّب هذه الدول من الغرب، فيما السكك العثمانية ربطت المدن الساحلية بالداخلية.
«كان الشرق الأوسط مكاناً لمزيج عالمي من اللغات والأعراق والطوائف، جمعتها خطوط السكك الحديدية، مثل فاكهة منوعة في وعاء»، تقول «الإيكونوميست». ولم نكن بحاجة للمجلة الإنجليزية، لنعرف أن محطات القطارات الأنيقة المبنية من حجر وقرميد، على غرار مباني الجنوب الفرنسي في القرن التاسع عشر، تحولت إلى خرب، وتطاولت الحشائش البرية حتى غطت العربات الصدئة، وصارت منازل الموظفين المهجورة دماراً، فيما القاطرات ذات التاريخ العريق الذي يعود إلى ما يقارب مائة سنة، مكاناً للذكرى والتقاط الصور وربما للتكسير والنهب. استنفرت جمعيات أهلية للحفاظ على ما تبقى، في محاولة مستميتة لإعادة هذا الإرث، وبعث الحياة فيه. في سوريا ظل القطار وسيلة للتنقل خاصة بين حلب وتركيا، فجاءت الحرب وقضت عليه، والحال نفسه في العراق، حيث تآكلت خدمات القطارات تحت وقع الهجمات.
الأهم من انتهاء أو تراجع خدمة القطارات للنقل الداخلي في غالبية الدول العربية، هو القطيعة التي تسبب فيها توقفها: «من المغرب إلى العراق ما من قطار واحد يعبر الحدود» تلك بالفعل معضلة.
ما من مواطن عربي إلا ويحلم بأن يستقل قطاراً من القاهرة، يصل به إلى عمّان أو بيروت، أو الخرطوم، وينتهي كابوس الحدود التي تحولت إلى سدود تقطع الأرزاق. في زمن الانهيارات العالمية، دول مدت جسورها صوب جيرانها بقطارات وباصات وطائرات وشرعت حدودها، ومع ذلك تتداعى. فما الذي سيكون عليه حال بلدان مزقتها مناكفات أخوية، وانتقامات حدودية وإغلاق طرق؟! التكامل وتبادل الخيرات بين الأشقاء والجيران من ألف باء، محاربة الفقر والبطالة. ثمة من يريد أن يفرض إسرائيل مستفيدة أولى من السكك الحديدية، كي تعود للحياة حديثة نابضة. إسرائيل نفسها تحضّر سككها باتجاه الأردن. لكن إيران لها مشروع هي الأخرى، باتجاه العراق وسوريا. وهي جميعها ليست مشاريع عربية الرؤية والخطة، لذلك قد تنجح والأرجح أن تفشل.
الاندماج في المنطقة له متطلبات منها القبول الشعبي بحده الأدني. لهذا ورغم أن الأعمال اللوجستية، تبدو في بعض دول المنطقة جدية لتعبر الحدود، غير أن الانتقال إلى مرحلة المواصلات المنسابة التي تبشر بانطلاقة اقتصادية عفية، ليس موعده غداً.
في جملة مفتاحية تقول «الإيكونوميست»: «سقطت شبكة السكك الحديدية، ضحية للعديد من الطعنات. ومعرفة المسؤول ومرتكب الجريمة، لا يزال أمراً يكتنفه كثير من الغموض».
من يظن أن القطار هو مجرد مقصورات تمشي على سكة حديد، فهو واهم. إنه كما شبكة الكهرباء وألياف الإنترنت والرقائق الإلكترونية، أداة مسيّسة حتى النخاع، تُبنى بقرار وتدمَّر بقرار آخر، فيما الشعوب تتفرج.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من اغتال القطار من اغتال القطار



GMT 02:30 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

السادة الرؤساء وسيدات الهامش

GMT 02:28 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

«وثائق» عن بعض أمراء المؤمنين (10)

GMT 02:27 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

من يفوز بالطالب: سوق العمل أم التخصص الأكاديمي؟

GMT 02:26 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

روبرت مالي: التغريدة التي تقول كل شيء

GMT 02:24 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية وفشل الضغوط الأميركية

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates