المقاربة السعودية لليمن تكريس لفضيلة الاستقرار

المقاربة السعودية لليمن تكريس لفضيلة الاستقرار

المقاربة السعودية لليمن تكريس لفضيلة الاستقرار

 صوت الإمارات -

المقاربة السعودية لليمن تكريس لفضيلة الاستقرار

يوسف الديني
بقلم : يوسف الديني

تضعنا التحولاتُ الأخيرةُ في المشهد اليمني أمامَ لحظةٍ كاشفة لا يمكن قراءتها بوصفها مجردَ تباين عابر في التكتيكات بين المنخرطين في الملف اليمني، خصوصاً من الأطراف التي ليس لديها نقاط تماس مباشرة حدودية، بل يجب أن تقرأ بشفافية بعدّها صداماً بنيوياً بين تصورين متعارضين للجغرافيا السياسية. فمن جهة، برز منطق يراهن على الاستحواذ على السواحل والمواني بِعَدّ ذلك مدخلاً للنفوذ والقوة دون مراعاة لأي سياقات أخرى وبشكل يقترب من حدود الانتهازية منه للشراكة مستلهماً أدبيات «القوة البحرية» كما صاغها الأدميرال والمؤرخ الأميركي ألفريد ماهان، ومن جهة أخرى، تبلورت رؤية أكثر التصاقاً بحقائق الأرض والتاريخ والهوية تستند ببساطة إلى «الأرض» العمق الجغرافي البريطاني، هالفورد ماكندر، وتتعامل مع اليمن بعدّه عمقاً مهماً للجزيرة العربية، لا يمكن التفكير في أطرافه البحرية مع إهمال مركزيه الاجتماعي والسياسي، فضلاً عن تاريخه وهويته وثقافته التي تشكلت على مدى العقود الماضية، والتي كان لها أثر على تركيبته السكانية والجهوية وعلاقته العضوية بجيرانه، وفي مقدمتهم السعودية.

منطق الدولة استثمار طويل الأجل يفكر بالعواقب، ويراعي حتمية الجغرافيا وذاكرة التاريخ لملف اليمن، البلد الذي انجرف للفوضى في أغلب فترات تاريخه الحديث، عدا استثناءات قليلة، ولذلك؛ النتيجة بين المنطقين محسومة: من يراهن على المواني وحدها يخسر، ومن يستثمر في الأرض والهوية والتنمية ينتصر مهما طال الوقت.

تاريخياً أغرت السواحل اليمنية، الممتدة على البحرين الأحمر والعربي، قوى إقليمية رأت فيها فرصة لبناء نفوذ بحري سريع عبر السيطرة على الممرات والنقاط الضيقة.

غير أن هذه المقاربة اصطدمت سريعاً بواقع يمني عصيّ على الاختزال: مجتمع مركّب، قبائل راسخة، ذاكرة سياسية عميقة، وتاريخ طويل من تجذر الهوية وفكرة يمن لا يمكن أن يختطف تمثيله أقلية، مهما استثمرت في الشعارات والمغالطات وحاولت استغلال الفراغ وفرص الوصاية من الخارج.

بالنسبة للرياض، المقاربة واضحة وفي الهواء الطلق ومعلنة للمجتمع الدولي، فاليمن له امتداد جغرافي وتاريخي مباشر لأمن شبه الجزيرة العربية، فالحدود الواسعة بين البلدين على امتداد 1200 كيلو ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل تماسّ مع فضاء اجتماعي وثقافي واحد، يجعل أي ارتباك في الداخل اليمني تهديداً مباشراً للأمن الوطني السعودي. هنا يبرز منطق «قلب الأرض» بصيغته الإقليمية: من يقارب ملف اليمن يجب أن يحرص على مصلحة الناس، أولاً باستحضار الكيان الجامع بغض النظر عن الصيغة - الشكل السياسي الذي يجب أن يكون توافقياً - ومن يملك إدارة هذا التنوع اليمني عبر طاولة الحوار والتمثيل العادل معهم، يملك مفاتيح الاستقرار الحقيقي مهما طال الوقت. أما السواحل، فهي نتيجة لهذا الاستقرار وليست بديلاً عنه.

لقد أظهرت السنوات الماضية أن الرهان على قوى محلية مسلّحة، أو مشاريع انفصالية تُدار من الخارج، قد يحقق مكاسب تكتيكية سريعة، لكنَّه يعمّق التشظي ويؤسس لفوضى مستدامة. هذا ما أدركته الرياض مبكراً، فمالت تدريجياً إلى إعادة تعريف تدخلها على أساس دعم الدولة الوطنية، لا الكيانات الهجينة. وفي هذا السياق، يمكن فهم التحول السعودي الأخير نحو الإمساك المباشر بالملف اليمني، وفرض منطق «الدولة مقابل الوكلاء»، بعدّه استعادة للقراءة الجغرافية الصحيحة، لا مجرد تعديل في أدوات السياسة. فاليمن، في هذه الرؤية، لا يُدار عبر الجزر والمواني، بل عبر الشرعية التي تستطيع مخاطبة الداخل وتمثيله لدى مؤسسات المجتمع الدولي.

المقاربة السعودية السعودية، بحكم موقعها قوةً فاعلة مركزية ذات مشروع تنموي لا يسعى إلى الهيمنة، وإنما تكريس فضيلة الاستقرار في الإقليم، لا تفكر في التعامل مع اليمن بوصفه ملف موانٍ أو نقاط نفوذ معزولة، هذا التفكير الضيق البراغماتي فضلاً عن كونه غير واقعي، فإنه سيخلق المزيد من الفوضى، لذا قرَّرت وفق سياستها الواقعية التعامل مع اليمن كفضاء سيادي متكامل، يتطلَّب إعادة بناء الدولة وتقوية مؤسساتها، ومنح فرصة للحوار بين مكوناتها والوقوف بينهم على مسافة واحدة، حرصاً على منع تفكيكها إلى كانتونات.

اليوم بعد أن آلت الأمور إلى ما آلت إليه، أدركت السعودية وتعاملت بحزم مع «فخ السواحل» في المقاربة اليمنية التي تشبه فخ تقوية مكون طائفي على ما عداه، إذ يعد وهماً آيديولوجياً لا يقل عنه وهم المواني الجيوسياسي بالاستثمار في الكيانات الطارئة تحت لافتات قضية عادلة.

رغم جراحه العميقة، يمتلك اليمن مقومات نهوض حقيقية متى ما أُعيد الاعتبار لمنطق الدولة، وتحرر من منطق الوصايات والمشاريع الجزئية، وهنا يمكن تثمين الرؤية السعودية المنحازة للاستقرار ووحدة الكيان، التي لا تنظر إلى هذا البلد بوصفه عبئاً أو ساحة نفوذ أو فرصة للاستغلال، بل بوصفه شريكاً قادراً على استعادة عافيته، حين يُمنح أهله دون تمييز بينهم فرصة لتقرير مستقبلهم، بعيداً عن فوضى السلاح أو خطيئة الانقسام.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المقاربة السعودية لليمن تكريس لفضيلة الاستقرار المقاربة السعودية لليمن تكريس لفضيلة الاستقرار



GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد - صوت الإمارات
تتجه الأنظار في عالم الموضة النسائية نحو خيارات غير تقليدية لأزياء السهرة، حيث تفضل بعض النجمات كسر روتين فساتين السهرة التقليدية واعتماد تصاميم البناطيل الأنيقة التي تجمع بين الأناقة الكلاسيكية واللمسات الكاجوال العصرية. وتبرز في هذا المجال خيارات النجمة العراقية رحمة رياض، التي تألقت بمجموعة من الإطلالات المميزة التي تناسب الحفلات والسهرات الرسمية. وخطفت رحمة رياض الأنظار في أحدث حفلاتها الغنائية باختيار زي أنيق باللون الأسود، تضمن بنطال شارلستون واسع الأرجل بخصر عالٍ، منسقاً مع كورسيه ضيق وموحد اللون. وأضفت النجمة لمسة مرحة ولافتة على القطع البسيطة من خلال ارتداء جاكيت مريح بسحاب أمامي وحواف مطاطية، والزي مزين بنقوشات مرصعة بالخرز الملون. وأكملت أناقتها بشعر داكن بخصلات مالسة، وقبعة ملفوفة، مع أقراط وخواتم ذهبية Ù...المزيد

GMT 18:01 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 04:43 2019 الجمعة ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

مايك شوماخر يبقى مع بريما لموسم جديد في فورمولا-2

GMT 06:46 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

طريقة عمل طاجن أرز بالحليب والمكسرات

GMT 21:26 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيّدة

GMT 00:15 2018 السبت ,27 تشرين الأول / أكتوبر

خلاصات الرسالة الملكية للرياضة 2

GMT 07:12 2017 السبت ,23 كانون الأول / ديسمبر

اكتشاف دلائل على أكل البشر بعضهم لبعض داخل كهف غامض

GMT 09:02 2020 الثلاثاء ,11 شباط / فبراير

اختراق حسابات تويتر على فيسبوك وماسنجر

GMT 02:31 2018 الأربعاء ,09 أيار / مايو

آبل تستبدل بعض هواتف "iPhone X" التي تعاني من مشاكل

GMT 12:04 2017 الجمعة ,03 آذار/ مارس

عبد الرقيب فتح يكشف عن انتهاكات "الحوثيين"

GMT 18:36 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تنجح في عمل درسته جيداً وأخذ منك الكثير من الوقت

GMT 15:30 2020 السبت ,18 كانون الثاني / يناير

الإمارات تدعم جهود ألمانيا لإحلال السلام في ليبيا

GMT 12:10 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء غير حماسية خلال هذا الشهر
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates