فنزويلا الغنيَّة فرز الدّعاية من الحقيقة

فنزويلا الغنيَّة... فرز الدّعاية من الحقيقة

فنزويلا الغنيَّة... فرز الدّعاية من الحقيقة

 صوت الإمارات -

فنزويلا الغنيَّة فرز الدّعاية من الحقيقة

مأمون فندي
بقلم - مأمون فندي

بعد ليلة القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في عملية عسكرية مدهشة، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أول مؤتمر صحافي بعد العملية: «لنجعل فنزويلا عظيمة مرة أخرى». هذا الإعلان هو جوهر سؤال هذا المقال: هل رؤية الرئيس ترمب ممكنة؟ وكم تستغرق من الوقت كي تكون حقيقة؟ وما المعوقات التي يمكن أن تقف في طريق تحقيق هذه الرؤية؟

يعوّل ترمب في رؤيته على ثروات فنزويلا الطبيعية، وعلى رأسها النفط؛ إذ تمتلك الدولة واحداً من أكبر احتياطيات النفط في العالم، إلى جانب المعادن النادرة والموارد الطبيعية الأخرى التي تجذب المستثمرين الدوليين. ومع ذلك، إذا ركزنا على «الجائزة الكبرى»، النفط، فسنجد أن تحقيق العظمة كما يتصوّرها ترمب، أو كما تحلم به زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، ليس بالأمر الهين. الواقع الداخلي والسياسي المعقد يجعل تحقيق هذه الخطة السريعة شبه مستحيلة.

فنزويلا، في هذا السياق، لا تختلف كثيراً عن العراق من حيث الوفرة النفطية، والتحديات الناتجة عن التدخل الخارجي، وإزاحة رأس النظام. في تجربة العراق بعد غزو 2003 نرى بوضوح أنَّ النفط وحده لا يصنع الدولة. بعد السيطرة الأميركية على القطاع النفطي وإعادة هيكلة الدولة، فشل العراق في استعادة إنتاجه النفطي أو تحقيق استقرار سياسي واقتصادي كامل، على الرغم من الدعم المكثف.

ما يميز الواقع الفنزويلي اليوم هو استمرار النزاع بين القوى العسكرية والمدنية، وسيطرة الجيش على الموارد الحيوية، وغياب الكفاءات الفنية، وتغير القوانين المستمر الذي يثني المستثمرين عن ضخ الأموال بثقة. إذا لم تستطع إدارة أميركية كاملة في العراق بجيشها وعدتها وعتادها، ومشروعها لتفكيك حزب «البعث»، وإذا لم تستطع وهي تملك كل هذا، إعادة إنتاج النفط إلى مستويات ما قبل الغزو بعد 20 عاماً، فكيف يمكن لفترة ولاية محدودة في فنزويلا أن تحقق المعجزات؟

في الحالتين، العراقية والفنزويلية، يكمن جوهر المشكلة في الاستقرار المؤسساتي والقانوني. الشركات العالمية لا تعمل فقط على النفط، بل على قواعد اللعبة التي تضمن حقوقها واستثماراتها. أي إدارة مستقبلية في فنزويلا تحتاج إلى أكثر من وعود سياسية أو صفقات إعلامية؛ فهي بحاجة إلى قوانين واضحة للاستثمار، مؤسسات مستقلة لإدارة الموارد، وإطار قضائي يحمي العقود وحقوق الملكية.

أيضاً، التركيز على «إعادة العظمة النفطية» دون معالجة البنية التحتية المتدهورة والفقد الكبير للإنتاج هو وهم. سنوات من سوء الإدارة والسيطرة الحزبية على النفط أدَّت إلى هروب الكفاءات، وانعدام الثقة بين القطاعين العام والخاص؛ ما يجعل أي محاولة سريعة لإعادة الاستثمار محفوفة بالمخاطر.

إضافة إلى ذلك، يجب الانتباه إلى الكيانات غير الحكومية كعامل معوِّق محتمل في فنزويلا والسياق اللاتيني عموماً. الجماعات المسلحة، العصابات، وأحياناً ميليشيات محلية لها مصالح في قطاع النفط والتجارة غير الرسمية، وقد تستخدم العنف أو التهديد لتعطيل أي جهود لإعادة الاستثمار أو الاستقرار. هؤلاء الفاعلون يزيدون المخاطر على الشركات الدولية، ويعقدون قدرة أي إدارة على فرض سيادة القانون أو السيطرة على الموارد؛ ما يجعل الخطط السياسية قصيرة المدى غير فعالة.

الدروس المستفادة من الشرق الأوسط عموماً وتجربة العراق خصوصاً ومعهما التجربة اللاتينية عموماً واضحة: النفط قوة استراتيجية، لكنه لا يتحوّل إلى أداة للهيمنة أو الازدهار إلا إذا ارتبط بالاستقرار الداخلي، والكفاءة المؤسسية، وحماية حقوق المستثمرين. الفشل في العراق يوضح أنَّ السيطرة العسكرية أو الدعم الخارجي وحده لا يكفيان لإعادة الدولة إلى سابق عهدها. في سياق فنزويلا، يضاف إلى ذلك خطر الكيانات التي تعمل بشكل مستقل عن الحكومات كعنصر جديد يزيد التعقيد، خصوصاً مع النزاعات المحلية والتهديدات الأمنية المتواصلة.

النتيجة الأساسية: أي حديث عن إعادة فنزويلا إلى «العظمة» في غضون 3 سنوات، الفترة المتبقية من ولايته، كما يروّج الرئيس ترمب، هو خطاب سياسي أكثر من كونه خطة عملية قابلة للتنفيذ. الواقع يتطلب سياسات طويلة المدى، واستقراراً سياسياً، ومؤسسات مستقلة، وضمان حقوق المستثمرين. الشركات الكبرى لن تعود إلا إذا تأكدت من حماية استثماراتها القانونية والسياسية، وأي شيء أقل من ذلك هو مجرد وهم.

باختصار، تجربة العراق تعلمنا أنَّ النفط لا يتحوَّل إلى قوة اقتصادية حقيقية دون مؤسسات قوية، وقوانين واضحة، واستقرار داخلي. فنزويلا، رغم ثرواتها، لن تصبح «عظيمة» بمجرد القرارات السياسية السريعة أو التخيلات الإعلامية. إعادة بناء الدولة النفطية يتطلب وقتاً، وكفاءات، وإطاراً مؤسساتياً مستقراً، ويجب أن يشمل التعامل مع الفاعلين غير الدوليين الذين يمكن أن يقوضوا أي محاولة لإعادة الاستقرار أو الاستثمار. أي إغفال لهذه العوامل يجعل الثروات الطبيعية أسيرة الفوضى والمزاجية اللتين ترفضهما أسواق الطاقة.

فنزويلا ستبقى عبئاً مع إدارتين أخريين بعد ترمب، ولو أصبحت تجربة العراق عظيمة بعد 20 عاماً من الاحتلال المباشر، لأمكنك أن تتوقّع أن تصبح فنزويلا عظيمة وبذات الدرجة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فنزويلا الغنيَّة فرز الدّعاية من الحقيقة فنزويلا الغنيَّة فرز الدّعاية من الحقيقة



GMT 03:05 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

نعم حياديون

GMT 03:03 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

شذرات من نزار قباني

GMT 03:00 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

أوتاوا ــ واشنطن... توسيع الهامش لا كسر القواعد

GMT 02:58 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

الانتقال من اقتصاد الشركات إلى اقتصاد السلع

GMT 02:56 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

تركيب الدولة العربية وتفكيكها

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - صوت الإمارات
سجّلت النجمات السوريات حضوراً لافتاً في حفل Joy Awards 2026، حيث تحولت السجادة البنفسجية إلى مساحة استعراض للأناقة الراقية والذوق الرفيع، في مشاركة حملت رسائل فنية وجمالية عكست مكانة الدراما السورية عربياً. وتنوّعت الإطلالات بين التصاميم العالمية الفاخرة والابتكارات الجريئة، في مزيج جمع بين الكلاسيكية والعصرية، وبين الفخامة والأنوثة. كاريس بشار خطفت الأنظار بإطلالة مخملية باللون الأخضر الزمردي، جاءت بقصة حورية أبرزت رشاقتها، وتزينت بتفاصيل جانبية دقيقة منحت الفستان طابعاً ملكياً. واكتملت إطلالتها بمجوهرات فاخرة ولمسات جمالية اعتمدت على مكياج سموكي وتسريحة شعر كلاسيكية مرفوعة، لتحتفل بفوزها بجائزة أفضل ممثلة عربية بحضور واثق وأنيق. بدورها، أطلت نور علي بفستان كلوش داكن بتصميم أنثوي مستوحى من فساتين الأميرات، تميز بقصة مكش...المزيد

GMT 17:02 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 00:16 2019 الإثنين ,11 آذار/ مارس

ازياء شانيل CHANEL كروز 2019

GMT 09:27 2019 الأربعاء ,13 شباط / فبراير

يوسف جابر يؤكّد صعوبة مواجهة "الوصل"

GMT 07:54 2018 الثلاثاء ,07 آب / أغسطس

استعراض لمواصفات وأسعار هاتف ZTE Axon M الجديد

GMT 01:20 2013 السبت ,07 كانون الأول / ديسمبر

عاصفة ثلجية في أميركا تقطع الكهرباء وتعطل حركة الطيران

GMT 03:59 2016 الإثنين ,22 شباط / فبراير

245 مليون درهم قيمة تصرفات العقارات في دبي

GMT 06:25 2018 الأحد ,22 إبريل / نيسان

"فورد" تطرح الإصدار الرابع من سيارتها "فوكاس"

GMT 16:46 2016 الثلاثاء ,17 أيار / مايو

الاعلام العربي نحو مزيد من الانحدار

GMT 09:12 2012 الخميس ,18 تشرين الأول / أكتوبر

لاميتا فرنجية ضيفة "زهرة الخليج" على قناة أبوظبي الأولى

GMT 21:36 2016 الثلاثاء ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

طريقة عمل حلى السجاد

GMT 23:28 2022 الخميس ,22 كانون الأول / ديسمبر

تعجرف الغرب

GMT 07:36 2020 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

تسريحات شعر قصير للخطوبة 2020

GMT 19:11 2020 السبت ,06 حزيران / يونيو

تنظيف موكيت المنزل العميق في خطوات مُفصّلة

GMT 23:40 2019 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

نادي وست هام الإنجليزي يعلن تعيين ديفيد مويز مدربًا للفريق
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates