هل كرة القدم فعلاً عالمية

هل كرة القدم فعلاً عالمية؟

هل كرة القدم فعلاً عالمية؟

 صوت الإمارات -

هل كرة القدم فعلاً عالمية

بقلم: مأمون فندي

عندما يُنشر هذا المقال، سيكون مصير كأس العالم قد حُسم، ومعها تكون اللغة التي تنطق بها كرة القدم قد حُسمت أيضاً. فإذا رفعت إسبانيا الكأس، أو حملتها الأرجنتين، فستكون الكرة قد تحدثت بالإسبانية. لكن الإسبانية ليست لغتها الأم.

وُلدت كرة القدم وهي تتحدث الإنجليزية؛ فقد وُضعت قواعدها الحديثة في المدارس والنوادي البريطانية، وحملها البحارة والتجار والجنود وموظفو الإمبراطورية إلى الموانئ البعيدة. وكانت، مثل السكك الحديدية والإدارة المدنية واللغة الإنجليزية نفسها، جزءاً من الحقيبة البريطانية التي جابت العالم.

ثم بدأت كرة القدم، كما بدأت الإنجليزية من قبلها، تعيش حياة مستقلة عن أصحابها. تحركت في فضاءات جديدة، واكتسبت لهجات محلية، وأصبحت تتحدث البرتغالية في البرازيل، والإسبانية في الأرجنتين والأوروغواي، والفرنسية في أفريقيا، والعربية في القاهرة والرياض والدار البيضاء. ولم تعد بريطانيا تملكها، كما لم تعد تملك الإنجليزية.

لكن هنا يبدأ السؤال الحقيقي؛ فعالمية كرة القدم، كعالمية الإنجليزية، ليست حقيقة مكتملة بقدر ما هي انطباع صنعه تاريخ القوة. فالإنجليزية ليست لغة غالبية البشر، لكنها لغة الجامعات، والأسواق، والعلوم، والطيران، والدبلوماسية. إنها لغة التواصل، لا لغة الوجدان. وكذلك كرة القدم؛ فهي ليست الرياضة الأولى في كل مجتمع، لكنها الرياضة التي قُدِّمت بوصفها اللغة المشتركة للرياضة العالمية.

ومن هذه الفرضية ينطلق هذا المقال؛ فهو لا يناقش كرة القدم بوصفها لعبة، بل بوصفها مثالاً على الكيفية التي تصنع بها القوة مفهوم «العالمية».

عندما ننظر شرقاً، إلى الهند وباكستان والصين، تظهر حدود هذه العالمية؛ فكيف وصلت كرة القدم إلى معظم مستعمرات الإمبراطورية البريطانية، ثم بقيت على الهامش في أكبر مستعمراتها؟ ولماذا اختارت الهند لعبة أخرى هي الكريكيت، أكثر الألعاب البريطانية التصاقاً بصورة الإمبراطورية عن نفسها؟

لم ترفض الهند رياضة المستعمِر، بل اختارت لعبته الأكثر إمبراطورية، ثم استولت عليها وحوَّلتها إلى أداة للثأر الرمزي منه. أصبحت هزيمة إنجلترا في ملعب الكريكيت شكلاً من أشكال إخراجها المتأخر من المستعمرة. رحل البريطانيون، وبقيت لعبتهم غنيمة حرب.

ولأن الهند وباكستان كانتا جسداً واحداً قبل التقسيم، وجدت ذاكرة الحدود والحروب وكشمير والسلاح النووي تعبيرها في الكريكيت أكثر مما وجدته في كرة القدم؛ فالكريكيت هناك ليست مجرد رياضة، بل لغة تاريخ مشترك وانقسام مؤلم.

وليست الهند وحدها خارج المركز العاطفي لكرة القدم، فالصين أيضاً لم تجعلها رياضتها الأولى، والفلبين اختارت كرة السلة، بينما ظلت البيسبول منافساً قوياً لكرة القدم في اليابان. وهذه ليست استثناءات صغيرة، بل مجتمعات تضم أكثر من ثلث سكان العالم.

أما الصين، فتقدم مفارقة أخرى؛ فالدولة التي تجعل الجماعة محور آيديولوجيتها حققت جانباً كبيراً من مجدها الرياضي في الألعاب الفردية: تنس الطاولة، والجمباز، والغطس، ورفع الأثقال.

كيف لدولة تمجد الجماعة أن تستثمر في الفرد؟

لعل الجواب أن الفرد هنا ليس فرداً سياسياً، بل وحدة إنتاج رياضي؛ يقف وحده على منصة التتويج، لكنه يمثل الأمة كلها. إنه فرد في الأداء، وجماعة في المعنى.

ومع ذلك يبقى السؤال قائماً: لماذا لم تتحول الصين إلى قوة كروية بحجم قوتها الاقتصادية؟

ربما لأن كرة القدم تحتاج إلى أكثر من الانضباط؛ تحتاج إلى لاعب يرى ما لم يره المدرب، ويتخذ قراراً في جزء من الثانية من دون الرجوع إلى سلطة أعلى. فالفرق الكبرى لا تلغي الفرد، بل تمنحه حرية الإبداع داخل النظام.

وهنا تتجاوز كرة القدم حدود الرياضة؛ فهي تذكرنا بأن المجتمعات الناجحة، مثل الفرق الناجحة، لا تقوم على الاختيار بين الفرد والجماعة، بل على العلاقة الخلاقة بينهما.

لكن السؤال الأهم ليس عن الهند أو الصين، بل عن معنى العالمية ذاته.

لقد اعتدنا أن نصف ما ينتشر في أوروبا والأميركتين بأنه «عالمي»، بينما نصف ما يتبناه مئات الملايين في آسيا بأنه «محلي» أو «إقليمي». الكريكيت، رغم جماهيريتها الهائلة، لا تُقدَّم بوصفها لعبة العالم، كما لا تُقدَّم كرة السلة في الفلبين أو البيسبول في اليابان بهذه الصفة.

وليس ذلك مؤامرة، بل نتيجة طبيعية لبنية القوة؛ فمن يملك الجامعات، ووسائل الإعلام، والأسواق، وشركات البث، يملك أيضاً حق تعريف العالم. وهو الذي يقرر ما هو عالمي وما هو هامشي، وما يستحق أن يمثل البشرية وما يبقى مجرد خصوصية ثقافية.

ولهذا لم يعد السؤال: لماذا لم تنجح كرة القدم في الهند أو الصين؟ والسؤال الأعمق هو: من يملك حق تعريف ما هو عالمي أصلاً؟

فربما تكون كرة القدم، مثل الإنجليزية، لغة مشتركة للتواصل، لكنها ليست اللغة التي يحلم بها الجميع، ولا التي يعبر بها كل مجتمع عن ذاته. وربما لا يكون العالمي ما يشترك فيه البشر جميعاً، بل ما نجح مركز القوة في تقديمه بوصفه لسان البشرية.

وعندها تصبح كرة القدم أكثر من لعبة؛ إنها نافذة نرى من خلالها كيف تُصنع فكرة العالم نفسها، ومن يملك حق رسم حدوده، ومن يكتب تحت صورته كلمة «العالمية».

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل كرة القدم فعلاً عالمية هل كرة القدم فعلاً عالمية



GMT 21:02 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

غطرسة شاهنشاهية

GMT 21:01 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

في الحديدة «ضَيَّعْت» الزَّمن!

GMT 21:00 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

اليمنيون هم أكبر ضحايا الحوثي

GMT 20:59 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الهروب من الوقائع لا يبعد الأخطار

GMT 20:58 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الإشكالية الكبرى؟!

GMT 20:57 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

أفكار وافدة

GMT 20:56 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حب استراتيجى !

GMT 20:55 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

مِنَح الجامعات الخاصة!

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates