هل يمكننا الخروج من السفينة

هل يمكننا الخروج من السفينة؟

هل يمكننا الخروج من السفينة؟

 صوت الإمارات -

هل يمكننا الخروج من السفينة

بقلم: مأمون فندي

رغم كل هذا التطور الذي تراه أمامك، يظل الفكر البشري بدائيّاً، لا يحيد بعيداً عن صورة واحدة سيطرت على العقل منذ آلاف السنين، ولا فكاك من سجنها، وهي السفينة، فهل يستطيع العقل البشري الخروج من السفينة؟

في عام 1970 أبحر المستكشف النرويجي ثور هايردال من مدينة آسفي المغربية على متن سفينة من القصب سمّاها «رع الثانية». كانت السفينة مستوحاة من صور السفن في مصر القديمة، وقد نجحت في عبور المحيط الأطلسي، وصولاً إلى جزر الكاريبي. لم يكن هدف هايردال إثبات أنَّ المصريين اكتشفوا العالم الجديد قبل كولومبوس، بل الإجابة عن سؤال أبسط: هل كانت مثل هذه الرحلة ممكنة أصلاً بتقنيات العالم القديم؟ لكن ما يشدني في قصة هايردال ليس الرحلة نفسها، بل ما تكشفه عن العقل البشري. فالرجل عاش في عصر الطائرات النفاثة، ومع ذلك عاد إلى سفينة من القصب كي يفهم كيف تحرَّك البشر عبر العالم، وكأنَّ التقدم التكنولوجي لم ينجح في تحرير خيالنا من صورة قديمة اسمها السفينة.

كلما تأملت التاريخ وجدت أنَّ الإنسان يغيّر أدواته باستمرار، لكنَّه نادراً ما يغيّر صوره الذهنية الكبرى. ولعلَّ السفينة هي أكثر هذه الصور ثباتاً. تبدأ القصة بسفينة نوح التي حملت الحياة عبر الطوفان، ثم تظهر السفن التي حملت التجارة والإمبراطوريات عبر البحار، وفي الصحراء تتحوَّل إلى قوافل حتى سُمّي الجمل «سفينة الصحراء»، واليوم تعود في صورة مركباتٍ فضائية تحمل الإنسانَ عبر الفراغ الكوني.

قد يبدو هذا مجرد تشابه لغوي، لكنَّه في رأيي أعمق من ذلك. فالسفينة ليست وسيلةَ نقل فقط، بل فكرة. إنَّها الوعاء الذي يحمل عالمنا الصغير عبر بيئة لا نستطيع العيش فيها مباشرة. البحر بيئة معادية للإنسان. والصحراء كذلك. والفضاء أكثر عداءً منهما. وفي كل مرة يبتكر الإنسان وسيلة تعبر هذه البيئات، فإنَّه يعيد إنتاج الفكرة نفسها: خلق عالم صغير محمي داخل عالم أكبر لا يصلح للحياة.

من هنا يمكن النظر إلى السفينة بوصفها نموذجاً مصغراً للحضارة. فداخل السفينة يوجد نظامٌ، وقانونٌ، وغذاءٌ، وتقسيمٌ للعمل، وقيادة، وذاكرة، وأمل في الوصول... إنَّها مجتمع كامل في حالة حركة. ولهذا لم تكن سفينة نوح مجرد وسيلة نجاة، بل نسخة مصغرة من العالم نفسه. ولم تكن السفن الأوروبية مجردَ أدوات نقل، بل أدوات لنقل أنظمة اقتصادية وثقافية وسياسية كاملة من مكان إلى آخر.

وإذا انتقلنا من البحر إلى الصحراء، نجد أنَّ الصورة لا تختلف كثيراً. فالقافلة لم تكن مجرد مجموعة من الجمال تسير في الرمال، بل كانت نظاماً متكاملاً للحياة والحماية والتبادل. وكانت الواحات تؤدي وظيفة الموانئ، كما كانت طرق القوافل تؤدي وظيفة الممرات البحرية. ولعلَّ هذا يفسر لماذا ازدهرت مدنٌ داخلية مثل مكةَ ودمشقَ وبغدادَ والقاهرة، رغم بعدها عن السواحل. لقد كانت هذه المدن، إذا جاز التعبير، موانئ بلا بحر.

وهنا يصبح السؤالُ أكثرَ إثارة: لماذا يعود العقلُ البشري دائماً إلى صورة السفينة؟ لماذا نتحدَّث عن سفينة الدولة، وسفينة النجاة، وسفينة الفضاء؟ ولماذا نصف استخدام الإنترنت بالإبحار والتصفح والتنقل؟ هل هي مجرد استعارة مريحة، أو أنَّها تعكس شيئاً أعمقَ في طريقة فهمنا للعالم؟

أعتقد أنَّ الإنسانَ حين يواجه فضاءً مجهولاً أو خطراً، فإنَّه يتخيله أولاً باعتباره بحراً، ثم يبحث عن سفينة لعبوره. يحدث ذلك في الجغرافيا، كما يحدث في الفكر. فالمهاجرُ يحمل عالمَه إلى أرض جديدة، كما تحمل السفينة ركابها إلى شاطئ آخر. والكاتب يفعل شيئاً مشابهاً؛ فالكتاب نفسُه نوع من السفن، إنَّه وعاء يحمل فكرةً عبر الزمن من عقل إلى عقل، ومن جيل إلى جيل.

والسؤال اليوم في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي هو: هل ما زلنا نعيش عصر السفينة، أو أنَّنا دخلنا عصر الشبكة؟ فالعالم الرَّقمي لا يقوم على الرحلات والخطوط المستقيمة بقدر ما يقوم على العقد والاتصالات والتدفقات. ومع ذلك، حتى في هذا العالم الجديد، ما زلنا نتحدَّث عن المنصات والحاويات والجدران والحماية والاختراق... صورة السفينة ما زالت تهيمن؛ تغيّرَ الشَّكل وبقيت الصورة.

لعلَّ الدرس الأهم في رحلة هايردال ليس أنَّ سفينة من القصب استطاعت عبورَ الأطلسي، بل إنَّ العقلَ البشري ما زال يعبر العالم بالطريقة نفسها. تتغير الموادُّ من القصب إلى الحديد، ومن الحديد إلى الألياف الكربونية، ومن البحر إلى الفضاء، لكن الفكرة تبقى ثابتة: حين يواجه الإنسان المجهول، فإنَّه لا يغامر بالخروج إليه عارياً، بل يبني سفينة ويحمل عالمه معه. وربَّما لهذا السبب لم يغادر الإنسان السفينة، فقط غيّر شكلَها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل يمكننا الخروج من السفينة هل يمكننا الخروج من السفينة



GMT 21:02 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

غطرسة شاهنشاهية

GMT 21:01 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

في الحديدة «ضَيَّعْت» الزَّمن!

GMT 21:00 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

اليمنيون هم أكبر ضحايا الحوثي

GMT 20:59 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الهروب من الوقائع لا يبعد الأخطار

GMT 20:58 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الإشكالية الكبرى؟!

GMT 20:57 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

أفكار وافدة

GMT 20:56 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حب استراتيجى !

GMT 20:55 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

مِنَح الجامعات الخاصة!

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates