العنف بين تفسيرين

العنف بين تفسيرين

العنف بين تفسيرين

 صوت الإمارات -

العنف بين تفسيرين

بقلم: مأمون فندي

قضيت أعواماً طويلة في الغرب، طالباً ومحاضراً في العلوم السياسية، ولفت نظري، بعد كل هذه السنين، أمر يحتاج إلى تفسير أولاً، ومواجهة ثانياً، من جانب شباب الباحثين العرب والمسلمين ممن يكتبون بالإنجليزية.

وملخص هذه الملاحظة، في حالة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أن تفسير العنف الإسرائيلي، بما في ذلك الإبادة الجماعية في غزة، يجري من خلال فهم دوافع إسرائيل السياسية ومخاوفها الأمنية، التي تتلخَّص في حق إسرائيل في الدفاع عن أمنها، بوصفها دولة محاطة ببحر من العرب والمسلمين الغاضبين، كما أن تاريخ اليهود في أوروبا يبرر هاجس الأمن المفرط. أمَّا في حالة العنف الفلسطيني، فلا تفسير له سوى الإسلام، أو العقيدة، أو الجهاد، وكلها تعبر عن متغير واحد هو الدين. الفلسطينيون شديدون بحكم ديانتهم.

هذا الأمر، لو طُرح في قاعة محاضرات جادة كتفسير من طالب، وليس من مؤرخ بحجم صامويل هنتنغتون أو بني موريس، لكان مثار سخرية واستهجان. ومع ذلك، لا تتردد مطابع الجامعات في نشر كتب تتبنَّى هذا النوع من التفسير، دون أن يرمش لها جفن.

خذ مثلاً كتاب صامويل هنتنغتون «صدام الحضارات»، الذي نقل الدين من كونه أحد المتغيرات المفسرة للسلوك السياسي، إلى ما يشبه القدر التاريخي الذي يحكم علاقات الشعوب. أو تأمل كتاب بيني موريس «1948»، الذي يمنح البعد الديني والجهاد مكانةً مركزية في تفسير الحرب من الجانب العربي، بينما يحضر الخوف والأمن والبقاء والظروف التاريخية بقوة في تفسير السلوك الإسرائيلي. وهنا لا تكمن المشكلة في مناقشة الدين، بل في اختلاف أدوات التفسير باختلاف هوية الفاعل.

في الحالة الأولى لدينا مجتمع وتاريخ ومؤسسات ومخاوف وقرارات عقلانية، وفي الثانية لدينا عقيدة ونصوص دينية ومؤمنون تحركهم دوافع غامضة. الإسرائيلي كائن سياسي يمكن فهمه، والفلسطيني كائن عقائدي لا يحتاج إلى تفسير خارج النص الديني.

وللأسف، ونتيجة للهيمنة الثقافية الغربية، نجد بعض أبناء جلدتنا يتبنّون التحليل نفسه في كتاباتهم بالعربية، فيفسرون الفعل الفلسطيني بالتفسير الديني وحده، وكأنَّ الاحتلال والحصار والتهجير وقتل الأقارب وإهانة الكرامة الإنسانية لا تدخل جميعها ضمن المتغيرات التي يدرسها علم الاجتماع السياسي.

وهنا يظهر السؤال الذي ينبغي أن يطرحه أي باحث جاد: ماذا لو كان الفلسطينيون بوذيين أو كاثوليكاً أو ملحدين؟ هل كانوا سيقبلون الاحتلال وفقدان الأرض وقتل أبنائهم دون مقاومة؟ وهل الثأر للدم شعور إسلامي خالص، أم أنه سلوك بشري عرفته المجتمعات على اختلاف أديانها وثقافاتها؟

لدينا بالطبع استثناءات مهمة في الكتابة الأكاديمية الغربية. فقد أعاد إدوارد سعيد، في كتابه «الاستشراق»، النظر في الطريقة التي يصنع بها الغرب موضوعه الشرقي، لا بوصفه إنساناً يعيش ظروفاً تاريخية واجتماعية، وإنما بوصفه حاملاً لثقافة تفسر سلوكه مسبقاً. ثم جاء كتابه «مسألة فلسطين» ليعيد الفلسطيني إلى التاريخ والسياسة بدلاً من اختزاله في صورة المتطرف الغاضب.

وفي كتاب «حرب المئة عام على فلسطين»، يقدم رشيد الخالدي تاريخاً للصراع بوصفه مواجهة استعمارية ممتدة، لا مجرد انفجار متكرر للكراهية الدينية. أما أرييلا عائشة أزولاي، ففي كتابها «من فلسطين إلى إسرائيل»، فتستخدم الصور والأرشيف لإعادة بناء عمليات الاقتلاع وتشكيل الدولة، وفي عملها مع عدي أوفير «حالة الدولة الواحدة» تفحص بنية السيطرة السياسية والقانونية بدلاً من رد الصراع إلى العقائد.

هذه الأعمال لا تطلب إعفاء الفلسطيني من المسؤولية عن أفعاله، بل تطالب بإخضاع الجميع للمعايير التفسيرية نفسها. فالتفسير ليس تبريراً، وفهم أسباب العنف لا يعني قبوله. وإذا كان قتل المدنيين يستوجب الإدانة، فإن هذه الإدانة يجب ألا تمنعنا من البحث عن أسبابه السياسية والاجتماعية، بصرف النظر عن هوية مرتكبيه.

ما المطلوب إذن من الباحث العربي والمسلم الذي يكتب بالإنجليزية؟

المطلوب ليس كتابة تاريخ مضاد تمجيدي، يستبدل انحيازاً بانحياز، وإنما مواجهة هذا الخلل في المنهج نفسه. المطلوب دراسات مقارنة تسأل لماذا تُستدعى المتغيرات السياسية والأمنية والنفسية لتفسير عنف طرف، فيما يُستدعى الدين وحده لتفسير عنف الطرف الآخر. والمطلوب أيضاً إخضاع الكتب الأكاديمية المؤثرة للنقد المنهجي، وكشف الافتراضات التي تختبئ وراء ما يبدو لغة علمية محايدة.

نحتاج إلى باحثين يدخلون هذا النقاش من أبواب علم الاجتماع المقارن، وعلم النفس السياسي، ودراسات الاستعمار والعنف، لا من باب الدفاع الاعتذاري عن الإسلام أو الفلسطينيين.

فالمسألة في النهاية أكبر من فلسطين. إنَّها تتعلق بحق الإنسان غير الغربي في أن يُفسَّر سلوكه بالأدوات العلمية نفسها التي يُفسَّر بها سلوك الإنسان الغربي.

ولعلَّ أخطر أشكال الهيمنة الفكرية ليس أن يكتب الآخر تاريخك، بل أن يفرض عليك أدوات تفسيره، ثم تقبلها أنت باعتبارها علماً لا يقبل النقاش.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العنف بين تفسيرين العنف بين تفسيرين



GMT 21:02 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

غطرسة شاهنشاهية

GMT 21:01 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

في الحديدة «ضَيَّعْت» الزَّمن!

GMT 21:00 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

اليمنيون هم أكبر ضحايا الحوثي

GMT 20:59 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الهروب من الوقائع لا يبعد الأخطار

GMT 20:58 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الإشكالية الكبرى؟!

GMT 20:57 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

أفكار وافدة

GMT 20:56 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حب استراتيجى !

GMT 20:55 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

مِنَح الجامعات الخاصة!

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates