الترمبية بعد عام 2028

الترمبية بعد عام 2028

الترمبية بعد عام 2028

 صوت الإمارات -

الترمبية بعد عام 2028

بقلم : سام منسى

لم تستند مكانة الولايات المتحدة العالمية إلى تفوقها العسكري والاقتصادي فحسب، بل أيضاً إلى استقرار مؤسساتها، واحترام قواعد تداول السلطة، وقابلية سياساتها للتنبؤ، وهي عوامل عززت ثقة الحلفاء بقيادتها للنظام الدولي. غير أن وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض عام 2016 شكّل تحدياً لهذا النموذج، إذ كشف تحولات عميقة داخل المجتمع الأميركي، وعمّق الاستقطاب السياسي، وأثار تساؤلات حول متانة المؤسسات واستمرارية الالتزامات الأميركية.

صحيح أن الإدارات الأميركية تعاقبت تاريخياً على تعديل أولويات السياسة الخارجية، إلا أن ذلك لم يكن يخرج عن الثوابت الدستورية والمصالح الاستراتيجية العليا للدولة. فمنذ وودرو ولسون وحتى ما قبل ترمب، تغيّرت الأساليب والسياسات، لكن بقي ينظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها شريكاً يمكن توقع نهجه. أما الترمبية فمثّلت استثناءً، لأنها لم تقتصر على تغيير السياسات، بل مست عنصراً أكثر أهمية يتمثل في الثقة باستقرار النظام السياسي الأميركي نفسه.

لماذا معالجة هذا الموضوع ولم يمض أكثر من سنتين ونصف السنة على ولايته الثانية؟ لأنَّ كثيراً من الدول تتعامل مع الترمبية وكأنهَّا ثابت دائم في السياسة الأميركية، وبنت على هذا الافتراض مقارباتها للأزمات الإقليمية والدولية، من إيران إلى حربي غزة ولبنان، مروراً بالعلاقات مع حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية.

لم تغير الترمبية الأهداف الكبرى للولايات المتحدة، مثل احتواء الصين والحفاظ على التفوق الأميركي وإعادة النظر في آثار العولمة الاقتصادية، لكنها غيرت طريقة إدارتها. فقد قامت على شخصنة القرار، وإعادة تعريف العلاقة مع الحلفاء، واعتماد شعار «أميركا أولاً» إطاراً ناظماً للسياسة الخارجية، إلى جانب التشكيك في عدد من المسلمات التي حكمت الدور الأميركي منذ نهاية الحرب الباردة.

انعكس ذلك داخلياً وخارجياً. في الداخل، بلغ الاستقطاب السياسي ذروته مع الجدل الذي أعقب التشكيك في نتائج انتخابات 2020، بما هزَّ صورة الديمقراطية الأميركية. أما خارجياً، فقد دفعت الخلافات مع الحلفاء الأوروبيين والانسحاب من عدد من الاتفاقات الدولية وتفضيل العلاقات الثنائية على العمل متعدد الأطراف كثيراً من الدول إلى إعادة تقييم مدى استقرار الالتزامات الأميركية، بسبب التشكيك في استمرارية السياسات والزئبقية المعتمدة.

إنَّ التحوط يقتضي الاستعداد لاحتمالات متعددة، لأنَّ المفترض أن تبقى السياسة الأميركية رهينة نتائج الانتخابات والتوازنات الداخلية والاقتصاد. وعليه، أي مسار سيسود بعد ترمب؟

يقوم السيناريو الأول على استمرار نفوذ ترمبية محدثة من خلال وصول شخصيات تنتمي لهذا التيار إلى البيت الأبيض. لكن ذلك لا يعني بالضرورة استنساخ سياسات ترمب بحذافيرها، خصوصاً شخصنة القرار والصدام المستمر مع المؤسسات، بل استمرار الأولوية للمصالح القومية المباشرة، والحمائية الاقتصادية، والتشدد في ملفات الهجرة، وإعادة تقييم التحالفات وفق منطق التكلفة والعائد، وهو ما سيجعل استعادة ثقة الحلفاء صعباً، لأنَّ الصدمة حول استقرار الالتزامات الأميركية ستبقى قائمة. أبرز المرشحين لهذا السيناريو مارك روبيو، جي دي فانس، وربما أريك دونالد ترمب.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في صعود قيادات جمهورية تقليدية معارضة لترمب، تسعى لاستعادة نهج الجمهوريين في إدارة السياسة عبر إعادة الاعتبار للتحالفات التقليدية وتخفيف حدة الخطاب السياسي. لكنهم سيجدون صعوبة في التراجع عن سياسات أصبحت تحظى بتأييد داخل الحزب وقاعدته، لا سيما في ما يتعلق بالهجرة والصين وإعادة توطين الصناعات الاستراتيجية. لذلك سيكون التغيير في الأسلوب أكبر منه في الاتجاه.

ويفترض السيناريو الثالث عودة إدارة ديمقراطية تسعى إلى ترميم العلاقات مع الحلفاء وتعزيز العمل متعدد الأطراف، في محاولة لاستعادة صورة أميركا بوصفها شريكاً ثابتاً، غير أن نجاح هذا المسار سيظل محدوداً إذا استمرت الانقسامات الداخلية، لأنَّ الحلفاء باتوا يقيمون السياسة الأميركية من خلال التجربة الحالية وآثارها.

أما السيناريو الرابع، وهو الأكثر خطورة والأبعد احتمالاً، فيتمثل في التشكيك بنتائج الانتخابات، وهي مؤشرات بدأت تبرز في السجال المحيط بالانتخابات النصفية المقبلة. وإذا تحول هذا التشكيك إلى حملة هادفة، فقد تدخل الولايات المتحدة مرحلةً من عدم اليقين الدستوري والسياسي والأمني، تتجاوز تداعياتها الداخل الأميركي. فالحلفاء سيزدادون قلقاً من استمرار عدم اليقين السياسي في واشنطن وسيكونون أكثر حذراً في بناء استراتيجيات على الأسس السابقة.

السياسات الإقليمية والدولية مطالبةٌ بأخذ هذه السيناريوهات جميعها في الاعتبار، بدل الانطلاق من فرضية استمرار الترمبية بمثابة قدر أو انتهائها بصورة حاسمة.

في النهاية، لا يرتبط التحدي الأساسي بمن يحكم البيت الأبيض، بقدر ما يرتبط بقدرة المؤسسات على استعادة الثقة التي شكلت لعقود أحد أهم مصادر القوة الأميركية. فالترمبية أصبحت جزءاً من النقاش حول هوية الدولة الأميركية ودورها العالمي، والهوية لن تتحقق بمجرد تغيير الرئيس أو الحزب الحاكم، بل تحتاج إلى وقت وإلى إعادة ترسيخ الثقة بأن مؤسسات الدولة لا تزال قادرة على ضمان استمرارية الدور الأميركي.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الترمبية بعد عام 2028 الترمبية بعد عام 2028



GMT 21:02 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

غطرسة شاهنشاهية

GMT 21:01 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

في الحديدة «ضَيَّعْت» الزَّمن!

GMT 21:00 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

اليمنيون هم أكبر ضحايا الحوثي

GMT 20:59 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الهروب من الوقائع لا يبعد الأخطار

GMT 20:58 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الإشكالية الكبرى؟!

GMT 20:57 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

أفكار وافدة

GMT 20:56 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حب استراتيجى !

GMT 20:55 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

مِنَح الجامعات الخاصة!

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates