الماكريسية ودموع ميقاتي

الماكريسية ودموع ميقاتي

الماكريسية ودموع ميقاتي

 صوت الإمارات -

الماكريسية ودموع ميقاتي

علي شندب
بقلم : علي شندب

المسألة أبعد وأعمق من تشكيل حكومة جديدة. فما جرى في لبنان هو باختصار تسوية جديدة، لن يمر وقت طويل حتى توصف بالتسوية المشؤومة المتناسلة من ذات التسوية التي سبق وأبرمها سعد الحريري مع حزب الله وميشال عون والتي أفضت الى مآلات معروفة وغير مسبوقة على مستوى الانهيار المالي والاقتصادي والفوضى الأهلية والأمنية الناتجة عن طوابير الذل أمام محطات الوقود والأفران والصيدليات..

ببساطة هي حكومة الطوابير غير المتناسلة من طوابير الذل، وإنما من طوابير خامسة وسادسة متناسلة من معادلات وتوازنات إقليمية ودولية جديدة، اتضحت معالمها في قمة بغداد التي تغوّل فيها وزير خارجية إيران حسين أمير عبداللهيان بروتوكولياً عندما أصرّ على التموضع في الصورة التذكارية للقمة بين رؤساء وملوك وقادة الدول المشاركة، ليعكس من خلال هذه الحركة المتغطرسة مكانة إيران المتغوّلة على أقرانها من الدول الاقليمية الكبرى.
انه التغوّل الذي قرأه جيداً الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي بدا أداؤه متكلفاً وهو يحاول ملء الفراغ الأميركي عن القمة والمنطقة. وقد ساهم في تغوّل عبداللهيان غياب الرئيس التركي اردوغان عن القمة لأنّ ملفات تطبيع علاقاته مع مصر والسعودية والامارات لم تكتمل بعد، ما سيجعل تنافسه على نجومية القمة مع عبداللهيان حصراً وليس مع ماكرون.
من هذه القمة التي غابت عنها سوريا واستطراداً لبنان، بدأت ملامح التسوية الجديدة في المنطقة تزامناً وتوازياً مع الانسحاب الأميركي المهين والمرتبك من أفغانستان التي تبوأ كرسي السلطة فيها حركة طالبان، التي لم تُحل بعد كامل شيفرة تداعيات سيطرتها بين دول جوار أفغانستان وخصوصا إيران التي لم تظهّر موقفها الحقيقي من حكم طالبان المتزاحم مع ايران في إعمال الشريعة ورفع راية الدولة الدينية. وللمفارقة تتشابه الدولتان في أن رموزاً من قادة البلدين من المصنّفين على لوائح الإرهاب الأميركية.
إذن، هي المتغيرات والتوازنات الإقليمية والدولية الجديدة التي دفعت الولايات المتحدة لإعطاء الحكومة اللبنانية الاشارة الخضراء للتباحث مع دمشق حول استجرار الغاز المصري والطاقة الاردنية عبر الأراضي السورية الى لبنان، كرد فعل مرتجل ومرتبك ومتخبط على إعلان زعيم حزب الله استجرار سفن المازوت من مضيق هرمز، وهي السفن التي أحدثت الكثير من الجلبة، التي لم ينافسها في ضجيجها سوى تصريحات ذبيح الله مجاهد وهو يعلن رفض طالبان تدخل مطلق دولة كبيرة أو صغيرة في شؤون إمارة أفغانستان الإسلامية.
وخلافاً لاستراتيجية الولايات المتحدة حيال لبنان، القائمة بحسب وزير الخارجية الاميركية السابق مايك بومبييو على "تشكيل حكومة بعيداً عن حزب الله"، ولدت حكومة ميقاتي مدجّجة بحضور وازن لحزب الله، وثلث معطل لرئيس الجمهورية وصهره جبران باسيل، يجهد المراقبون في احتسابه وتفصيله وتعداد وزرائه، وبدت حكومة نهاية العهد العوني بهذا المعنى غريبة عن كل المعايير الفرنسية التي أطنب وزير خارجية فرنسا لودريان في تفصيلها كالببغاء، فيما قام ماكرون بتهنئة نفسه على انتاجها ولو من دون معيار الاستقلالية عن الاحزاب والقوى السياسية التي مارست كل أنواع البغاء والرذيلة السياسية كي تتحاصص الحكومة وتتقاسمها.
بعد فوز ابراهيم رئيسي برئاسة ايران سارع ماكرون الى مهاتفته مهنئاً، وفي قمة بغداد عقد رئيس فرنسا لقاءان مع أميرعبداللهيان ووجه له الدعوة لاجتماع ثالث في باريس. وبعد اتصال ماكرون الثاني مع نظيره الايراني صرّح رئيسي بأن "بذل الجهود والمساعي من جانب إيران وفرنسا وحزب الله من أجل تأليف حكومة لبنانية قوية، يمكن أن يكون لمصلحة لبنان"، وبات تصريح رئيسي هذا بمثابة كلمة السر المفتاحية لتشكيل الحكومة. والمتفحص في كلمة السر هذه يجد بأنها تضمنت ثلاثة قوى هما دولتي ايران وفرنسا ودولة حزب الله. لقد تعمّد رئيسي تظهير حزب الله بمظهر دولة متكاملة الأركان، وهو تظهير متشابه مع تغوّل عبداللهيان البروتوكولي في قمة بغداد.
ثمة حاجة ملحة للقول، إن المبادرة الفرنسية انتهت وتبخرت لصالح مبادرة أخرى هي "المبادرة الماكريسية"، التي تعبر عن حقيقة تقاسم النفوذ بين الفرنسيين والايرانيين برعاية الانسحاب الاميركي من المنطقة. وقد اتسم سلوك فرنسا الماكرونية بكثير من الانتهازية السياسية اللاهثة وراء عقود النفط كما مع العراق بعيدا عن بعض الشعارات لزوم التغني بحقوق الانسان والحرية والإبهار الثقافي، وفي حالة لبنان نجد هذه الفرنسا تتناسى أنها أحد رعاة اتفاق الطائف مع السعودية والولايات المتحدة.
انها الانتهازية والمصلحية الفرنسية الخائفة من فقدان الوزن والدور كما في ليبيا وشرق المتوسط، تلك التي أنجبت نتيجة زواج السفاح بين جهود رئيسي والمبادرة الماكرونية ما يمكن تسميته بـ "المبادرة الماكريسية".
ورغم أن أنابيب الغاز المصري واتصالات رئيس المخابرات المصرية عباس كامل قد فعلت فعلها في تشكيل الحكومة اللبنانية وإعلانها، وجعلت نجيب ميقاتي يستبدل البيان المكتوب بدموع لم يذرفها على مدينته طرابلس، رغم أنه تنافخ مع متنفذيها خلال 17 تشرين للاجتماع في معرضها المعطّل وأطلق صرخة منفوخة "طرابلس لن تجوع". لكن طرابلس جاعت وشبعت جوعاً وفقراً وذلاً وإذلالاً ممنهجاً في تراكمه من ثقافة التسوّل التي أرستها طبقة سياسية هبطت على طرابلس بالمظلات.
شكل الحكومة وتشكيلتها يوحيان باستطالة الأزمة المستعصية، فحكومة الماكريسية لم تكتف بتوزير حزب الله، بل أسندت له ضمناً وخاصة وزارة الأشغال العامة والنقل، انها الوزارة المعنية بشؤون المطار ومرفأ بيروت الشهيد وغيره من المرافىء، فضلاً عن المعابر الحدودية الشرعية وغير الشرعية.
لم يغفل الرئيس نجيب ميقاتي في مناجاته للبلاد العربية واستنجاده بها، أن حكومته تحمل في تكوينها كل عناصر التحدي والإستفزاز للعالم العربي والخليجي خاصة، خصوصاً مع تدفق شحنات الكابتغون والمخدرات عبر المرافى الشرعية، وهي الشحنات التي تتهم السعودية ودول أخرى حزب الله بالوقوف خلفها.
"اتفاق الطائف" لم يعد فعل ايمان بين ساسة لبنان ومكوناته، تغيير الاتفاق وتعديله بات مطلباً معلوماً. الطرف المتمسك بالطائف هو الطرف الأضعف والمستعد دوماً لتقديم التنازلات، ثم يبرّر التنازلات ببعض التهدج والدموع. غريب أمر الدموع في لبنان، فهي لا تصيب الا رؤساء الحكومة.
دموع "الملياردير نجيب ميقاتي" كما احتفت به مجلة فوربس (التي غاب سعد الحريري عن صدارة أثريائها لمصلحة شقيقه الأكبر بهاء الحريري)، ليست تأثراً ميقاتياً بحسرة ووجع والدة ذلك الشاب المهاجر التي لا تستطيع توفير دوائها، بقدر ما هي تعبير عن إجهاز الماكريسية على الطائف الذي لم يتبقى منه إلّا إسمه.
فإلى متى دموع التماسيح تذرف على الأطلال؟.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الماكريسية ودموع ميقاتي الماكريسية ودموع ميقاتي



GMT 17:50 2024 الأربعاء ,12 حزيران / يونيو

عودة الجغرافيا السياسية: حرب أوروبا

GMT 20:10 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

السم بالتذوق

GMT 20:03 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

مراهنات خطيرة في السودان

GMT 19:59 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

الحرب الأهليّة في تأويل «حزب الله» لها

GMT 19:55 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

السعودية... الحقبة الخضراء

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates