نحن بعد انقشاع رذاذ «دافوس»

نحن... بعد انقشاع رذاذ «دافوس»

نحن... بعد انقشاع رذاذ «دافوس»

 صوت الإمارات -

نحن بعد انقشاع رذاذ «دافوس»

إياد أبو شقرا
بقلم - إياد أبو شقرا

يصعبُ علَى المُحَلّل الجادِّ أن يخرجَ عن بُعدٍ بانطباعاتٍ دقيقةٍ عن مداولاتِ «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس (سويسرا) وتفاعلاتِه. ففِي مناسباتٍ كـ«المنتدى» مفيدةٌ جداً الإحاطةُ بالأجواء، وضروريٌّ فهمُ لغةِ الجسدِ، والرسائلِ المبطنة، و«بالونات الاختبار» المواقفيّة...

المواقفُ الواردةُ في الكلماتِ والمناقشات محسوبة، وعبرَها يُعبِّر المشاركون عن مصالحَ ومبادئَ راسخة، لكنَّ تقديمَها يحتاج إلى حَصافة تُسهّل ابتلاعَها والاقتناع بها في أوساط العامة.

والحال، أنَّ المشاركين يعرفونَ جمهورَهم جيداً، ويدركون ما يُتوقَّع سماعُه، إلا أنَّ العقلاءَ منهم يفهمون أنَّ الرسالةَ ستكون أقوى وأفعل عندما تتجاوز الأسوارَ المصلحية، ومن ثم تؤثر بالصورة المرجوّة في الفضاءِ المصلحي الأوسع.

وعندما يتكلَّم شخصٌ من أقطاب «المنتدى»، مثل لاري فينك، رئيسِ شركة «بلاك روك» التريليونية العملاقةِ لإدارة الأصول، عن تحدّياتٍ تواجه الرأسمالية؛ فإنَّه يثير الموضوعَ من منطلق الحرص عليها في عالم متغيّر يبدو أحياناً بلا ضوابط.

بكلام آخر، أشخاصٌ مثل فينك يشعرون بأنَّ الرأسماليةَ قد تحتاج أحياناً إلى إنقاذ نفسِها من جموحِها في عالمٍ تهدّد فيه التكنولوجيا المتطوّرةُ بإسقاطِ الضوابط وتعطيل المكابح وتعميم المجهول!

بحسب فينك، هذا المصير يهدّد بدوره «شرعية» النظام الاقتصادي العالمي.

وهنا، ينقل موقع «أكسيوس» الإخباري الأميركي عن فينك تذكيره بأنَّ «البحبوحة الاقتصادية لا تقتصر على النمو التراكمي، بمعنى حجم الناتج المحلي أو القيمة السوقية لكبريات الشركات، بل باتساع الرقعة السكانية التي تشعر بها وتلمسها وتبني مستقبلها عليها»، حسب تعبيره!

من جهة ثانية، تطرّق الملياردير العالمي النافذ – كما هو متوقّع – إلى تأثير «الذكاء الاصطناعي»، شارحاً أنه سيمسّ سلبياً مصائرَ الوظائف المكتبية والكتابية بالنسبة ذاتها التي أثرت فيها «العولمة» سلبياً على وظائف العمالة اليدوية. وبناءً عليه، أيضاً وفق «أكسيوس»، رأى أنه يجب مواجهة هذا التحدّي بجدية وبصورة مباشرة. ومن هذا المنطلق دعا رئيس «بلاك روك» إلى الانخراط بمزيد من الحوار المكثّف على امتداد العالم وقطاعاته الاقتصادية والاجتماعية، والكثير من الإصغاء مقابل القليل من إلقاء المحاضرات.

مقابل هذه الواقعية العميقة، طبعاً كانت ثمة شطحاتٌ مرتقبة... لعدة جهات، اقتصادية وسياسية. وكالعادة، تركّزت دائرة الضوء السياسية على مواقفِ الولايات المتحدة كما عبّر عنها الرئيس دونالد ترمب بالقول والفعل...

لقد جاء ترمب إلى دافوس خارجاً للتو من «غزوة» فنزويلا، التي أدَّت إلى إزاحة الرئيس نيكولاس مادورو، ووسط حملاته المتعددة الرؤوس باتجاه جزيرة غرينلاند و«كنفها» الأوروبي، وترويجه لمشروعه الخاص بمستقبل قطاع غزة.

في هذا الصدد، بات واضحاً أنَّ العالمَ أخذ يستوعب صدمةَ التعامل مع قيادة أميركية من نوع غير مألوف، وآراء «من خارج صندوق» ما بدا منذ نهاية «الحرب الباردة» - على الأقل - ثوابتَ سياسيةً وأمنيةً للغرب.

صعودُ الاتحاد السوفياتي كقوةٍ عالمية مع انتهاءِ الحرب العالمية الثانية، على أنقاضِ النازية والفاشية و«العسكريتاريا» اليابانية، أسهمَ في بناء «حالة تغييرية عالمية» بعد نجاح الثورة الماوية في الصين.

ومن ثم، أدَّى الثقلُ السوفياتيُّ – الصينيُّ المشترك، وظهورُ قوة عالم ثالثية غير منحازة خارج الكتلتين الكبيرتين الغربية الرأسمالية والشرقية الشيوعية، إلى تنامي حركة «تحرّر» عالمية عبر آسيا وأفريقيا والأميركتين. ولكن شروط اللعبة تغيّرت مع نهاية «الحرب الباردة» بانهيار الشيوعية الأوروبية، ومعها «جدار برلين». وبدا لبضعة عقود أنَّ نظاماً عالمياً جديداً نتج عن «نهاية التاريخ» (كما أخبرنا فرانسيس فوكوياما) بـ«انتصار» الغرب، والتأهب لـ«صراع الحضارات» بين الغرب والعالم الإسلامي (كما رأى صامويل هنتينغتون)...

وبالفعل، على الرغم من اهتزازات، هنا وهناك، بدا أن «النظام العالمي الجديد» ماضٍ في ترسيخ حضوره. ولكن 4 تطوّرات، باعتقادي، قلبت الوضع:

الأول، تمكّن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من وقف انهيارِ بلاده وشنّه حرباً ثأرية مضادة على الغرب بدأت بتبنيّه قوى اليمين العنصري المتطرف. وحقاً، كشف بوتين، بواقعيته المعروفة، هشاشة «الديمقراطية»، ومفهوم «دولة المؤسسات» الجامعة في أوروبا الغربية، ثم الولايات المتحدة نفسها.

والثاني، استعادة الصين دورها المؤثّر، وإشغالها العالم - بنجاح حتى الآن - عن مطامحها الاستراتيجية بتركيزها ظاهرياً على الاقتصاد والتصنيع والبحث العلمي.

والثالث، الثورة التكنولوجية المُتسارعة، من الاتصالات والمعلومات... إلى الذكاء الاصطناعي. وهذه ثورة حقيقية يُنتظَر أن تغيّر العديد من المعادلات في مختلف القطاعات، وعلى امتداد العالم.

والرابع، عطفاً على التطوّرات الثلاثة المذكورة آنفاً، كان التغيير في نمط التفكير وإعادة تعريف الأولويات في الولايات المتحدة عبر تيار «ماغا» (جعل أميركا عظيمة من جديد) القومي الشعبوي، بقيادة دونالد ترمب السياسية، وأشخاص مثل ستيف بانون التنظيرية.

مع «ماغا» تبدّلت المعطيات والثوابت. فالعدو التقليدي ما عاد عدواً، والحليف التقليدي ما عاد حليفاً. ولغة الدبلوماسية نُحيّت جانباً لتأخذ مكانها لغة الفرض، أو التلويح بالفرض. والحسابات البعيدة المدى استُعيض عنها بالصفقات الآنية السريعة. في دافوس أكد ترمب هذا التبدّل قبل وصوله... وبعده.

وفي المقابل، تأقلم العالم مع هذا الواقع عندما تجنّب قادته مواجهة ترمب ومعارضة مشاريعه مباشرة، لكنهم شيئاً فشيئاً تملّصوا من أي التزام معه.

بدأ «التمرّد» مع كندا وإسبانيا وفرنسا، وها هو الآن يشمل ألمانيا وإيطاليا أيضاً.

لقد قرّروا أنه لا مصلحة لهم بتهميش أنفسهم والتضحية بمؤسسات دولية كبرى، كالأمم المتحدة و«حلف شمال الأطلسي»، من أجل مصالح خاصة هي أولاً وأخيراً مصالح «سيد البيت الأبيض»، كما ذكّرهم غريمه حاكم ولاية كاليفورنيا الديمقراطي غافن نيوسوم من قلب دافوس!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نحن بعد انقشاع رذاذ «دافوس» نحن بعد انقشاع رذاذ «دافوس»



GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

سحر التراث المغربي يزين إطلالات النجمات في "أسبوع القفطان" بمراكش

مراكش - صوت الإمارات
شهدت مدينة مراكش أجواءً استثنائية من الفخامة والأناقة خلال فعاليات “أسبوع القفطان المغربي” في دورته السادسة والعشرين، والذي احتفى بجمال القفطان المغربي باعتباره أحد أبرز رموز التراث والأزياء التقليدية الراقية. وحرصت العديد من النجمات والإعلاميات العربيات على الظهور بإطلالات مستوحاة من روح القفطان المغربي الأصيل، بتصاميم مزجت بين الحرفية التقليدية واللمسات العصرية. وتألقت الفنانة غادة عبدالرازق بقفطان باللون الأخضر الزمردي تميز بتطريزات ذهبية كثيفة مستوحاة من الطابع التراثي المغربي، مع حزام مطرز أبرز أناقة التصميم، واختارت تنسيق أقراط مرصعة بأحجار الزمرد مع تسريحة شعر بسيطة على شكل ذيل حصان مرتفع. كما ظهرت مريم الأبيض بإطلالة مشرقة بقفطان أصفر لافت، جمع بين القماش الانسيابي والتفاصيل المعدنية اللامعة، وزُين ب...المزيد

GMT 06:56 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر مناسب لتحديد الأهداف والأولويات

GMT 08:03 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

لن يصلك شيء على طبق من فضة هذا الشهر

GMT 20:20 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

تحقق قفزة نوعية جديدة في حياتك

GMT 15:35 2014 الإثنين ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

الشخص غير المناسب وغياب الاحترافيَّة

GMT 00:12 2020 الخميس ,09 إبريل / نيسان

خالد النبوي يكشف ذكرياته في فيلم الديلر

GMT 01:56 2018 الخميس ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

مساعد Google Assistant يدعم قريبًا اللغة العربية

GMT 12:45 2018 الجمعة ,04 أيار / مايو

أسباب رائعة لقضاء شهر العسل في بورتوريكو

GMT 09:47 2013 الأربعاء ,31 تموز / يوليو

صدور الطبعة الثانية لـ"هيدرا رياح الشك والريبة"

GMT 07:36 2018 الإثنين ,12 شباط / فبراير

"كوسندا" يضم أهم المعالم السياحية وأجمل الشواطئ

GMT 15:12 2013 الخميس ,03 تشرين الأول / أكتوبر

دعوة للتعامل مع "التلعثم" بصبر في ألمانيا

GMT 19:05 2015 السبت ,27 حزيران / يونيو

الإيراني الذي سرب معلومات لطهران يستأنف الحكم

GMT 23:38 2015 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

سد "كاريبا" في زامبيا مهدد بالانهيار في غضون 3 سنوات
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates