دوغين بين الآيديولوجي والجيواستراتيجي

دوغين بين الآيديولوجي والجيواستراتيجي!

دوغين بين الآيديولوجي والجيواستراتيجي!

 صوت الإمارات -

دوغين بين الآيديولوجي والجيواستراتيجي

بقلم: رضوان السيد

من أكثر من عقدٍ من الزمان نسمع عن ألكسندر دوغين وتصوراته الآيديولوجية والاستراتيجية المسيطرة على بوتين فيما يزعمونه. وبغضِّ النظر عن مسألة التأثير على بوتين وهل هي صحيحة أم لا؛ فإنّ تصورات الرجل وأفكاره يختلط فيها الآيديولوجي بالجيواستراتيجي بالمستقبل الديجيتالي للعالم. ولهذه الناحية فإنه يشبه من بعيد جورج أورويل وكتابه: «1984»، ويشبه في الحاضر كتابات نوح هراري التي تغيب فيها الآيديولوجيا إنما يحضر بقوة الديجيتالي والذكاء الصناعي وشبه روايات الخيال العلمي كما كان يسمى. وبالطبع، فإنّ هذا البُعد الثالث التكنولوجي في الأساس تحضر فيه عجائب وغرائب وتوقعات شطاحة وحقائق اعتبارية Virtual Realities، ولا يعني ذلك أننا أمام روايات جول فيرن من جديد، فما يسمى التقدم العلمي صار شديد الهول ولا يمكن تجاهله، وما يكون أسطورة مثل العملة الرقمية، لا يلبث أن يصير حقيقة. وهذه أمورٌ تنطبق على شتى مجالات الحياة الإنسانية والأُخرى الطبيعية أو الكونية. وما أريد الوصول إليه لا يتصل مباشرة بالإلغاء التكنولوجي للإنسان؛ لولا أنّ دوغين - بخلاف هراري - يضع كل هذا الإلغاء للإنسان والحضارة على عاتق الإنسان الغربي السائر نحو عدمية غير إنسانية، وفناءٍ محقق إنما بعد أن يُهلك الآخرين كل الآخرين!

إنّ هذه التصورات كانت في البداية من صناعة اليسار الراديكالي، وحتى جورج أورويل قيل في أربعينات القرن الماضي؛ إنه من هذا التيار. وعندما عادت لمعات الآيديولوجيا في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، اتخذت سِمات نقد الخطاب الاستعماري أي الذي كان سائداً تجاه المستعمرين، ولا يزال باقياً لدى اليمين. كتاب إدوارد سعيد: الاستشراق (1977) صار تياراً بحثياً دخل عليه هنود وعرب ومن أميركا اللاتينية ويابانيون، وتارة يجري فيه الحديث عن «مركزية» الغرب، وطوراً عن نفاقه الليبرالي (!). وفي السنوات الأخيرة صار النقض وليس النقد غلّاباً وضد الليبرالية الغربية بالذات باعتبارها رأس الشر، وهي تدمّر نفسها في الوقت الذي تدمّر فيه العالم!
هذا النقد اليساري الراديكالي هو نقدٌ آيديولوجي بالطبع، لكنْ ليست له نتائج. فمعظم هؤلاء الذين يكرهون أميركا ما كانوا يبحثون عن بدائل في النموذج الصيني أو الروسي. فهم نتاج الثقافة الغربية نفسها وكانوا ينتقدونها من داخلها، ويتطلبون العودة إلى قيم التنوير وأزمنته؛ ولذلك يدينهم الراديكاليون الجدد (مثل وائل حلاق مع إدوارد سعيد!) باعتبار أنّ العلة كما سبق القول هي في الليبرالية ذاتها وهي اختراع تآمري غربي!
لا يزال النقد الآيديولوجي اليساري ضد الغرب موجوداً وقوياً. بيد أنّ مفكري اليمين في أوروبا وأميركا هم الذين يقودونه وباتجاه تصوراتٍ أُخرى للدولة والمجتمع الرقمي والأمة والسيادة وسائر المفاهيم الاستراتيجية. المفكران اليساريان نغري وهارت كتبا الكتاب الشهير: الإمبراطورية، وكانا بذلك واستناداً لفهم معين للعولمة، ولزمن الهيمنة الأميركية، يتحدثان عن إمبراطورية من نوعٍ جديد. وقد استعار ألكسندر دوغين المصطلح وتحدث بمضامين أُخرى عن الإمبراطوريات الجديدة التي تستخدم بدائع التقنيات لتسيطر على العالم، وتُلغي القوميات والسيادة والأديان غير البروتستانتية والتقاليد الأخلاقية. ولذلك فهناك موجة عالمية مضادة تتزعمها روسيا للدفاع عن نفسها و«مجالها الحيوي» وعن العالم. لقد نجحت لفترة الآيديولوجيات الإمبراطورية الضخمة مثل الفاشية والرأسمالية والشيوعية. والمطلوب اليوم الدفاع عن قيم وممارسات وسياسات ما قبل هذه الظواهر إنما من دون العودة إليها كما كانت. الإمبراطورية الجديدة قضت على المجتمعات والنظم التقليدية، وجاءت العولمة التي من طريقها يجري إنشاء الإمبراطورية العظمى. روسيا مخترَقة. وحتى الصين وكوريا الجنوبية تنتشر فيهما البروتستانتية ومن ورائهما أميركا. لا أمل لروسيا إلا في الأوراسية التي تضم روسيا والصين وأقطار «الخلافة» الإسلامية وإيران والهند لحفظ الهوية والانتماء والسيادة في هذا المَتَحد؛ وبخاصة أنّ الإمبراطورية الجديدة في حالة هجوم تساندها العولمة الصاعدة في كل مكان. هنا يأتي شبح الحرب ذات الوجهين: الوجه الداخلي من أجل فرض التماسُك ومنع الاختراقات، والوجه الخارجي بمصادمة الإمبراطورية في حافاتها الضعيفة والمعرَّضة مع أخطار السلاح النووي.
إنّ الواضح أنّ إقبالنا على تلخيص أفكار دوغين الاستراتيجية، سببه مقتل ابنة دوغين في سيارتها بانفجار أو إطلاق نار. ولا داعي لتصديق هذه الرواية أو تلك عن دورٍ لأوكرانيا في عملية اغتيالٍ بداخل روسيا الاتحادية! ومع أنّ الجغرافيا السياسية لهذا التصور الشاسع تبدو غير منطقية ولا يمكن إحقاقها؛ فإنّ المجال ينفتح على حربٍ بل حروب للاستنقاذ من العولمة!
كان هنتنغتون يفرّق بين الآيديولوجيا والثقافة، فيربط الآيديولوجيا بالاعتقاد وبالجيوسياسي. ومع سقوط الاتحاد السوفياتي قيل إنّ الصراع الآيديولوجي انتهى. والصراعات صارت ثقافية وحضارية، وعلى رأسها الصراع بين الديمقراطية الغربية المنتصرة وحضارة الإسلام أو ثقافته التي تملك «حدوداً دموية».
هل صحيح أنّ عصر الآيديولوجيا مضى وانقضى؟ لكأنما الآيديولوجيا لا تقوم إلا في الصراع بين الرأسمالية والشيوعية (!). في زمن الهيمنة (1990 - 2010) عادت عشرات الآيديولوجيات إلى الحيوية والتجدد لكنها هذه المرة لا تبدو ذات قوة أو تفوق أخلاقي. فتصور دوغين الجيوسياسي يقوم على آيديولوجيا لا يمكن تسويغ التصور الشاسع بها. ثم من يصدّق أنّ الولايات المتحدة إنما تتحدى الصين بتايوان من أجل الحرية والديمقراطية. إنّ التعليل الجيوسياسي للحروب واضح، ولا يحتاج إلى آيديولوجيا أو أنّ الاقتناع الآيديولوجي لا يمكن تسويغه بنظرية شمولية.
ولماذا نبتعد كثيراً؟ فقد ظهرت «القاعدة» وظهر «داعش» على أسس آيديولوجية أو دوغمائية صلبة. لكن لولا غزو أفغانستان والعراق (وهما حربان في الجيوسياسي وليس الآيديولوجي)؛ فإنّ قيام «القاعدة» و«داعش» ما كان يمكن تصوره، رغم أنّ هذا الإسلام المتشدد موجود في غير مكان!
ثم إنّ الأوراسية في الأصل هي فكرة طرحها مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي. وبالطبع ما كان يريد بها أن تصارع الولايات المتحدة (!).
ولننظر في الحرب الروسية - الأوكرانية التي تحمست لها الولايات المتحدة وبريطانيا كثيراً: أين الآيديولوجيا فيها؟ الرئيس بوتين يعتقد أنّ الأميركيين يريدون محاصرة روسيا بالناتو. فالصراع جيواستراتيجي ويُعلَّل بالأخطار على الأمن القومي الروسي، ولا يُفهمُ باعتباره صراعاً بين الفاشية (وجهة نظر روسيا) والديمقراطية (كلام أميركا). وألكسندر دوغين يتحدث عن المجال الحيوي لروسيا؛ وهي مقولة استخدمها النازيون والفاشيون، فكيف تسير فيها روسيا التي تقول إنها تقاتل ضد الفاشية في أوكرانيا؟!
ما عادت الآيديولوجيا رغم كثرة تكرار التحدث بمفرداتها. إنما الذي عاد الصراع في الجيوسياسي والجيواستراتيجي!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

دوغين بين الآيديولوجي والجيواستراتيجي دوغين بين الآيديولوجي والجيواستراتيجي



GMT 02:30 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

السادة الرؤساء وسيدات الهامش

GMT 02:28 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

«وثائق» عن بعض أمراء المؤمنين (10)

GMT 02:27 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

من يفوز بالطالب: سوق العمل أم التخصص الأكاديمي؟

GMT 02:26 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

روبرت مالي: التغريدة التي تقول كل شيء

GMT 02:24 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية وفشل الضغوط الأميركية

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - صوت الإمارات
واصلت يارا السكري تأكيد حضورها كواحدة من أكثر النجمات الشابات أناقة خلال مشاركتها في فعاليات مهرجان كان السينمائي 2026، حيث لفتت الأنظار بسلسلة من الإطلالات الراقية التي جمعت بين البساطة والفخامة، واعتمدت خلالها تصاميم مجسّمة أبرزت رشاقتها بأسلوب أنثوي ناعم وعصري. وفي أول ظهور لها على السجادة الحمراء للمهرجان، تألقت يارا بفستان أبيض طويل بدون أكمام بقصة مستقيمة مجسّمة، تميز بتفاصيل الدرابيه الهندسية عند منطقة الخصر وانسدل بذيل ناعم منح الإطلالة طابعاً ملكياً راقياً. ونسقت معه مجوهرات ماسية فاخرة وتسريحة الكعكة العالية مع مكياج نيود هادئ ركز على إبراز ملامحها الطبيعية. كما ظهرت خلال إحدى الأمسيات الخاصة بإطلالة سوداء كلاسيكية، اختارت فيها فستاناً مجسماً بقصة الكورسيه والكتفين المكشوفين، مع ياقة هندسية عصرية أضافت لمسة ...المزيد

GMT 12:33 2020 الثلاثاء ,28 كانون الثاني / يناير

شركة" لكزس" تشعل المنافسة بسيارة "جى اكس" للطرق الوعرة

GMT 19:24 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 15:46 2013 الخميس ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

قمر صناعي تابع لروسيا يصل إلى مداره في الفضاء

GMT 11:28 2018 الثلاثاء ,20 آذار/ مارس

شركة "غوغل" توضّح تفاصيل خدمة ألعاب فيديو "Yeti"

GMT 03:26 2015 الإثنين ,09 شباط / فبراير

الرماد البركاني يغطي مدنا عدة في غواتيمالا

GMT 14:58 2016 الأربعاء ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

إلسا هوسك وليلى ألدريدغ تتألقّن في جلسة تصوير أمام برج إيفل

GMT 11:49 2018 الجمعة ,28 كانون الأول / ديسمبر

تركيب 4500 عمود إنارة جديد في شوارع الشارقة

GMT 20:23 2018 الخميس ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

صلاح يكشف رغبته في تسجيل 100 هدف مع "ليفربول"

GMT 21:34 2018 الإثنين ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

وفاة سيدة وإصابة رضيعتها إثر حادث دهس في الشارقة

GMT 18:11 2018 الجمعة ,07 أيلول / سبتمبر

خلطة طبيعية تُعزز نمو الشعر وتكثّفه في وقت قصير

GMT 19:36 2018 الثلاثاء ,04 أيلول / سبتمبر

شقيقة كيت ميدلتون تقود دراجة أثناء الحمل

GMT 18:38 2015 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

الطقس في البحرين غائم والرياح شمالية غربية

GMT 13:11 2018 السبت ,23 حزيران / يونيو

أحدث صيحات طلاء الأظافر في ربيع وصيف 2018

GMT 12:40 2015 الجمعة ,25 كانون الأول / ديسمبر

أقدم الأدوات من الحجارة ترجع إلى 3.3 مليون عام

GMT 14:23 2013 الثلاثاء ,10 كانون الأول / ديسمبر

شانغهاي تلغي الإنذار ضد التلوث مع بدء تبدد الضباب الدخاني

GMT 03:34 2015 الثلاثاء ,22 كانون الأول / ديسمبر

مقتل تسعة أشخاص إثر إعصار في الفلبين

GMT 21:23 2015 السبت ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

زلزال بقوة 5.3 درجة يضرب غرب فنزويلا

GMT 07:25 2018 الثلاثاء ,01 أيار / مايو

مسابقة أفضل فنادق إنجلترا للعام 2018 "VisitEngland"
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates