بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
عندما تنشب حرب داخلية أو أهلية فى بلد أو آخر يُثار عادة سؤال عن طبيعة المجتمع وعلاقتها بالعنف. فيُسأل مثلا عما إذا كان هذا العنف طارئًا على مجتمع مسالم أو كان مسالمًا، أم أنه مقيم فى بنية هذا المجتمع وتاريخه. ومن طبائع الأمور أن تختلف الاجتهادات فى هذا المجال. ويحدث ذلك الآن بشأن الحرب الداخلية الراهنة فى السودان، والعنف الذى تتسم به، خاصة من جانب ميليشيا قوات الدعم السريع المتهمة بارتكاب جرائم فى بعض المناطق التى تقع تحت سيطرتها، أو التى تستولى عليها. ويرى د. محمود عبدالمولى، فى تعليقه على اجتهاد 13 سبتمبر الماضى المعنون «لا تنسوا السودان» أن العنف فى الحرب الداخلية الراهنة ليس طارئًا، لأن السودان ظل فى حالة حروب أهلية مستمرة منذ أواخر الخمسينيات، مع فترات استراحة قصيرة نتيجة اتفاقات لا تصمد لوقت طويل. وحتى عندما طالت هذه الاستراحة أو الهدنة، نتيجة اتفاق أديس أبابا عام 1972 مع حركة «أنانيا» التى كانت تعتبر متمردة، أنهاها الرئيس الراحل جعفر النميرى فاشتعلت الحرب مرة أخرى عام 1983.
ويضيف د. عبدالمولى فى تعليقه أن العنف كان حاضرًا أيضًا فى ممارسات ما سميت «حكومة الإنقاذ»، التى حكمت السودان لنحو ثلاثة عقود بعد انقلاب 30 يونيو 1989. فقد ارتكبت ميليشيا «الجنجويد» التى كانت تابعة لهذه الحكومة جرائم فظيعة فى دارفور بصفة خاصة. وإذا كانت قوات الدعم السريع تُمثَّل امتدادًا لميليشيا الجنجويد التى كانت تقاتل نيابة عن حكومة الإنقاذ فى دارفور، يصعب الحديث عن عنف طارئ فى الحرب الداخلية الراهنة. ولذا فهو يتبنى فكرة أن العنف الذى يُمارس فى هذه الحرب ليس طارئًا بل مقيم، وأن جذوره موجودة فى المجتمع السودانى، ولم تهبط من السماء، وأن إنكار ما يعتبرها حقيقة تاريخية لا يفيد. فالأفضل، فى رأيه، هو الاعتراف بها والعمل على معالجتها بدل إنكارها.