بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
فى بداية سورة البقرة يقول الله تعالى «الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، والذين يؤمنون بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون، أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون». والملاحظ هنا أن الله تعالى قدَّم الإيمان بالغيب على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإحسان. وهذا مفهوم لأنه لا صلاة ولا زكاة، ولا أى ركن من أركان الإسلام، بدون الإيمان بالغيب الذى يبدأ بالإيمان بالله سبحانه وتعالي. والإيمان بالغيب يعنى التصديق الجازم بكل ما أخبرنا به الله تعالى ورسوله ولا تدركه حواسنا.
ومن أهم صفات المؤمنين بالأديان السماوية أنهم يؤمنون بعالم الغيب مثلما يؤمنون بعالم الشهادة. ومن هنا كان لمفهوم الغيب وأسراره، وكيفية التعامل معه أهمية كبرى فى حياة الإنسان المؤمن، وفى دينه وعقيدته. ويرتبط مفهوم الغيب، والحال هكذا، بمفاهيم أخرى مثل النبأ والخبر والإطلاع والإظهار وغيرهما. فللإيمان بالغيب أهداف سامية توجّه الإنسان نحو الرٌقى والمعروف والتمسك بالفضيلة.
وفى كتاب مهم للدكتور حسين رشيد الطائى تحت عنوان «مفهوم الغيب وأقسامه فى القرآن الكريم» تفصيل لهذا المفهوم وتحليل عميق لأبعاده وتصنيف لأقسامه. والإيمان بالغيب، حسب هذا التصنيف المستند على ما جاء فى القرآن الكريم, قسمان هما الغيب المطلق والغيب النسبي. فأما الغيب المطلق فهو غيب الإحاطة وغيب الإبداء والكتم والإسرار والعلن. ويشرح مؤلف الكتاب بشكل تفصيلى مكونات الغيب المطلق ويوضح المفاهيم التى تتعلق بأقسامه، والأسباب التى أدت إلى تقديم بعض هذه المفاهيم على بعضها الآخر، كما وردت فى الذكر الحكيم.
وأما الغيب النسبى فهو غيب الأخبار الماضية وغيب الإطلاع وغيب الإظهار. وكما فعل بشأن مكونات الغيب المطلق، يشرح المؤلف بشكل تفصيلى مكونات الغيب النسبى وعلاقتها بأمور تتعلق بالماضى مثل بدء الخلق والخليقة وسيرة وتاريخ الأمم البائدة، أو تتصل بالمستقبل مثل العلم بما فى الأرحام وعلم الساعة ويوم القيامة ومآل الأرض والسماء والمخلوقات جميعها، وحتى مآل الروح عند قيام الساعة. فسبحانك اللهم عالم الغيب والشهادة.