بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
كثير مما يبدو لنا اليوم أمرًا بديهيًا ونمطًا عاديًا من أنماط الحياة لم يكن كذلك قبل فترة من الزمن طالت أو قصرت. ومن ذلك مثلاً إدارة المؤسسات المختلفة الحكومية والمجتمعية والمشاريع الاقتصادية وغيرها كثير. فالإدارة، مفهومًا وتطبيقًا، تعتبر حديثة. فهى لم تكن معروفة, بالشكل الذى نراه الآن، قبل الثورة الصناعية الأولى التى بدأت فى النصف الثانى من القرن الثامن عشر.
لم تكن هناك حاجة إلى الإدارة بمعناها العصرى قبل تلك الثورة. ولكن كانت هناك أشكال من القيادة التلقائية فى الزراعة والحرف اليدوية. فكان هناك «ناظر الزراعة» تحت مسميات اختلفت من بلد إلى آخر. وكان هناك أيضًا المِعلم (بكسر الميم الأولى) فى الحرف اليدوية، وهكذا.
ولكن بعد الثورة الصناعية، التى بدأت باختراع المحرك البخارى فى النصف الثانى من القرن الثامن عشر ازدادت الحاجة إلى وجود نظام إدارى كفء فى ظل توسع رقعة المصانع، وظهرت أنماط مختلفة من تقسيم العمل الذى كان آدم سميث أول من دعا إليه فى كتابه المشهور الصادر عام 1776 «بحث فى طبيعة وأسباب ثروة الأمم».
ولكن بداية تحول الإدارة إلى علم انتظرت ما يقرب من قرن ونصف القرن عندما أصدر فردريك تايلر كتابه «مبادئ الإدارة العلمية» عام 1911. وكانت هذه المرة الأولى التى يُتداول فيها مفهوم الإدارة الحديثة، فبدأ عصر جديد حلت فيه هذه الإدارة محل الطرق والأساليب الاجتهادية التقليدية. ولم يمض وقت طويل حتى باتت الإدارة عنصرًا أساسيًا من عناصر نجاح أي مؤسسة أو مشروع، إن لم يكن العنصر الرئيسى لهذا النجاح.
وغدت الإدارة تعتمد على خطط محددة للعمل والإنجاز. كل هذا الذى صار من طبائع الأمور لم يكن معروفًا قبل قرنين ونصف القرن، وبعضه لم يكن معلومًا قبل قرن واحد فقط.