بقلم : عبد الغني طليس
لا وقت لعبير شرارة لتكتب نصوصاً شعرية كتلك التي في " انقلاب على ميت" .. كونها تعيش الكتابةً حياةً بكل ما فيها عن طريق العيش باللحم الحي والعواطف المحترقة ورائحة الحزن التي تعرف عبير كيف تحاصرها وتتحكم بها. وإذا كتبَت فإن عبير تكتب ما تبقى من عَيْشها، أو ما نَسيت أن تعيشه، أو ما ترك لها الواقع أن تكتب!
وعبير شرارة ابنة الكاتب الشاعر بلال شرارة ، وهي هنا لا تحاول "الانقلاب" عليه كما قد يتخيل متخيلون، فهو لم يمت بعد والأرجح أنه لن يموت في خاطر المرأة - الإبنة التي تحمل منه مزايا نارية عدة ككاتبة ، لكنها أيضاً تحمل منه مخاطر كبرى ذهنية ونفسية قد لا تتحملها امرأة ! ويكاد يكون سبب سعادة عبير شرارة في الكتابة أنها كذلك !
في " انقلاب على ميت" إعلانٌ غريب:
لم يعد بإمكاني رؤية شيء
لم أعد أقف أمام المرآة
أخاف ألا أرى أحداً فيها
أخاف أن أراني الأخرى "…
تداري عبير هنا، ذاتها. تكذب أذا أردتم. فهي لا تقف أمام المرآة إلا لتشبَع مما فيها هي كامرأة، ككائن ، لتمتص ما فيها، بل لتشربها على كأس نبيذ. ولتعبر إلى " الأخرى" التي فيها. بعينيها تحدق عبير ، وبخيالها الجامح تفتش عن " الأخرى" وتراها وترقص واياها وتدللها وتتمسك بها. لا تهرب منها، لأنها لا تستطيع الهرب.
لعل كتاب" انقلاب على ميت" بكل ما فيه هو عبير الأخرى، الشاعرة بالحياة، الماكرة بالناس، الصابرة على الموت، القاهرة بعزم رجال لا امرأة، الغادرة بما تريد ساعة تريد وكيفما تريد، الباهرة في تقبل نفسها وهي عائدة من كل معمودية بأجنحة جديدة.
كان ينبغي أن يخرج بلال شرارة من جلْد عبير، من أصابعها، من عينيها، من ياسمين جسدها المبعثر بعينيها، وحمّال الأسية. كان يجب أن تتخلّى عنه عبير طوعاً من دون أن تقتله كما يفعل الأدباء مع أهلهم. أكرَمت عبير والدها بلال ونشَرَته بهدوء تام على الصفحات حتى لا يبقى منه نفَس يعود بغتةً . أقفلت عليه الصفحات، وتخلصت منه.
ومن هنا ..تبدأ عبير رحلة أخرى، مع "الأخرى" التي تخشى ظهورها في المرآة. تلك هي الشاعرة. تلك هي المرأة. تلكً هي ما تبقى لعبير بعد جبال الأمواج المتلاطمة التي جلبتْها لنفسها طائعة ، فَرحة. تلك هي التي حين تلتقطها عبير وتأتي بها مخفورة لتمثّل جريمتها ستكون شرارةً لعبير لا تعرفه هي ولا يعرفه بلال ولا يعرفه أحد منّا!
وسيكون هجومها بلا هوادة !
عبد الغني طليس كاتب و ناقد فني و ثقافي لبناني*


أرسل تعليقك