واشنطن ـ صوت الإمارات
مع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط خلال الفترة الأخيرة، برزت جبهة جديدة للصراع لا تقل تأثيرًا عن المواجهات العسكرية، وهي جبهة المعلومات المتداولة عبر الإنترنت، حيث انتشرت على نطاق واسع مقاطع فيديو وصور مزيفة جرى إنتاجها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي أدى إلى حالة من الارتباك الإعلامي والتشويش لدى المتابعين حول العالم بشأن حقيقة ما يجري على الأرض.
وخلال الأسابيع الأولى من الحرب بين إسرائيل وإيران، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بمشاهد درامية لانفجارات ضخمة ودمار واسع في مدن لم تتعرض لأي هجوم فعلي، إلى جانب مقاطع تظهر جنودًا في مواقف احتجاجية على الحرب، وهي مشاهد جرى تصميمها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتبدو واقعية بدرجة كبيرة، ما جعل التمييز بين الصور الحقيقية والمحتوى المفبرك أكثر صعوبة بالنسبة للجمهور.
وتضمنت هذه المواد المصورة مشاهد مضللة تظهر إسرائيليين يصرخون خوفًا من انفجارات تضرب مدينة تل أبيب، ومقاطع أخرى توثق بشكل مزعوم مراسم عزاء لقتلى إيرانيين، بالإضافة إلى فيديوهات تدّعي تعرض سفن حربية أميركية لهجمات بالصواريخ والطوربيدات، وهي مشاهد لم تثبت صحتها على أرض الواقع.
كما حصدت هذه المقاطع ملايين المشاهدات عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي، وانتشرت بشكل واسع عبر تطبيقات المراسلة الخاصة، الأمر الذي ساهم في تضخيم تأثيرها وتسريع تداولها بين المستخدمين، في وقت أصبح فيه تداول المحتوى البصري أسرع من عمليات التحقق الصحفي التقليدية.
وللتحقق من هذه المواد، اعتمد مختصون في تحليل المحتوى الرقمي على مجموعة من الأساليب التقنية، من بينها فحص التفاصيل البصرية التي قد تكشف التزييف، مثل ظهور مبانٍ غير موجودة في الواقع، أو نصوص غير واضحة داخل الصور، أو حركات غير طبيعية للأشخاص والعناصر في مقاطع الفيديو. كما جرى تحليل الملفات الرقمية بحثًا عن علامات مائية رقمية غير مرئية، واستخدام أدوات متخصصة لكشف المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي ومقارنته بالمعلومات المتاحة في التقارير الإخبارية والبيانات الرسمية.
ويرى خبراء في الإعلام الرقمي أن التطور المتسارع في أدوات الذكاء الاصطناعي جعل من السهل على أي شخص تقريبًا إنتاج محتوى بصري يحاكي الواقع بدرجة عالية من الدقة، وبتكلفة منخفضة أو حتى بشكل مجاني، وهو ما يفتح المجال أمام انتشار واسع للمحتوى المضلل في أوقات الأزمات.
وقد ظهرت هذه الظاهرة في نزاعات سابقة مثل الحرب بين روسيا وأوكرانيا، إلا أن تعدد جبهات التوتر الحالية في الشرق الأوسط ساهم في تسريع انتشار هذا النوع من المحتوى منذ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران.
وفي هذا السياق، أوضح مارك أوين جونز، الأستاذ المشارك في تحليل وسائل الإعلام بجامعة جامعة نورث وسترن في قطر، أن حجم المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي المرتبط بالحرب الحالية يفوق ما تم رصده في صراعات سابقة، مشيرًا إلى أن البيئة الرقمية أصبحت أكثر عرضة للتلاعب بالمعلومات مقارنة بما كانت عليه عند اندلاع الحرب في أوكرانيا.
وتشير تحليلات إعلامية إلى أن هذا المحتوى لم يعد مجرد ظاهرة عشوائية على الإنترنت، بل تحول إلى أداة دعائية مؤثرة في معركة السرديات الإعلامية المرتبطة بالحرب. وأظهرت دراسة أجرتها شركة سيابرا المتخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي أن جزءًا كبيرًا من مقاطع الفيديو المولدة بالذكاء الاصطناعي المتعلقة بالحرب يروج لسرديات مؤيدة لإيران، ويهدف في كثير من الأحيان إلى إظهار تفوقها العسكري بصورة مبالغ فيها أو غير واقعية.
وأشار مارك أوين جونز إلى أن عرض مشاهد مصطنعة لدمار في مواقع داخل دول الخليج باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي يدخل ضمن استراتيجية إعلامية تهدف إلى تضخيم حجم الخسائر وإيهام الجمهور بأن الحرب أكثر تدميرًا وتأثيرًا على حلفاء الولايات المتحدة مما هي عليه في الواقع.
وفي ظل هذا التطور المتسارع، يحذر خبراء الإعلام والتقنية من أن انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي يفرض تحديات متزايدة على المؤسسات الصحفية والمجتمع بشكل عام، حيث أصبحت عملية التحقق من المعلومات جزءًا أساسيًا من فهم الأحداث في زمن الحروب، إذ يمكن لصورة أو مقطع فيديو مزيف أن يؤثر في الرأي العام بقدر تأثير الأحداث الحقيقية التي تقع على الأرض.
قد يهمك أيضـــــــا :
دراسة تحذر من مخاطر الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تخطيط النظام الغذائي للمراهقين
الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي يرهق الدماغ