لندن - صوت الإمارات
أظهرت دراسات طبية حديثة أبعاداً متزايدة حول المخاطر الصحية البالغة الناتجة عن العمل بنظام المناوبات الليلية، مؤكدة أن الصراع المستمر بين متطلبات الدوام والساعة البيولوجية للإنسان يفرض ثمنهاً باهظاً يتجاوز مجرد الشعور بالتعب والإرهاق العضلي وتجهد العينين. وبين الباحثون أن الساعة البيولوجية التي تشكلت عبر تطور جنس البشر لضبط العمليات الحيوية وفقاً لشروق الشمس وغروبها، تصر على الاستيقاظ صباحاً رغم محاولات العاملين هيئة بيئة نوم مظلمة أو استخدام سدادات الأذن، مما يضع ملايين الكوادر الطبية والمسعفين والمهندسين والعمال في معركة بيولوجية مستمرة.
وتوضح الأبحاث أن خطورة اضطراب النوم لا تكمن فقط في حرمان الجسم من الراحة وتثبيت الذكريات ومعالجة المشاعر، بل تتعداها إلى تعطيل أداء "الجهاز الغليمفاوي"، وهو شبكة تصريف دقيقة في أعماق الدماغ تعمل أثناء النوم على غسل وتصريف الفضلات والسموم المتراكمة خلال اليقظة. وأ كشفت تحليلات لصور دماغية شملت عشرات الآلاف من الأشخاص أن الخلل في أنظمة تصريف الدماغ يرتبط بشكل مباشر بزيادة احتمالات الإصابة بالخرف مستقبلاً، حيث يؤدي الحرمان من النوم إلى تراكم بروتينات ضارة مثل "أميلويد وتاو" المرتبطة بمرض الزهايمر. وتؤكد دراسات تتبعت عمال المناوبات ل عقود أن العمل الليلي في منتصف العمر يرفع خطر الإصابة بالخرف بنسبة تصل إلى 36 في المئة، وتزداد النسبة كلما طالت فترة العمل بهذا النظام.
ولا تتوقف العواقب الصحية عند صحة الدماغ، إذ تشير التحليلات العلمية إلى أن تقليص ساعات النوم يؤدي إلى تنشيط غير طبيعي للجهاز المناعي يسبب التهابات مزمنة ترتبط بزيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية. كما يتسبب اضطراب النوم في ارتفاع مستويات هرمون التوتر "الكورتيزول"، الذي يعزز مقاومة الإنسولين ويدفع الجسم نحو الإصابة بمرض السكري، وتتفاقم هذه المشكلة عندما يلجأ العاملون للوجبات الخفيفة الغنية بالسكر للحفاظ على نشاطهم ليلاً. بالإضافة إلى ذلك، أُدرج العمل الليلي ضمن الفئات المحتمل تسببها في السرطان، نتيجة لتغير توقيت إفراز هرمون "الميلاتونين" المثبط للأورام، وانخفاض مستويات فيتامين "د" بسبب الغياب عن ضوء النهار.
وفي سياق البحث عن حلول للحد من هذه الأضرار، يستكشف العلماء نماذج نوم بديلة تناسب طبيعة جسم الإنسان، من أبرزها نمط "النوم ثنائي الطور"، وهو النمط التاريخي القديم الذي كان سائداً قبل العصر الصناعي والإضاءة الاصطناعية. وبدلاً من إجبار الجسم على النوم لفترة متصلة واحدة نهاراً وسط صعوبات كبيرة، يوصي الخبراء بتقسيم النوم إلى فترتين منفصلتين خلال 24 ساعة، كأن ينام العامل بضع ساعات فور عودته صباحاً ثم يعوض الجزء المتبقي بقيلولة في فترة ما بعد الظهر قبل المناوبة التالية. وأثبتت التجارب أن أخذ قيلولات منتظمة ومخطط لها تتراوح بين 20 و50 دقيقة يساهم بوضوح في تقليل النعاس، وتحسين التركيز واليقظة، والحد من مخاطر الحوادث أثناء القيادة، مما يعطي العاملين ضوءاً أخضر علمياً للتوقف عن مقاومة إشارات أجسادهم والتعامل بمرونة أكبر مع إيقاعها البيولوجي.
قد يهمك أيضـــــــا :
أبرز الطرق لشحن الساعة البيولوجية ورفع الكفاءة العقلية للإنسان
"الصحة" العالمية تكشف علاقة "الدوبامين" بالإفراط بالوجبات السريعة وأسباب السمنة


أرسل تعليقك