الكاتبة آنا بيرنز تبحث عن المعنى في قلب اللامعقول بنكهة أيرلندية معاصرة
آخر تحديث 14:08:22 بتوقيت أبوظبي
 صوت الإمارات -

جسّدت أجواء الصراع الأهلي في بلفاست خلال سبعينات القرن الماضي

الكاتبة آنا بيرنز تبحث عن المعنى في قلب اللامعقول بنكهة أيرلندية معاصرة

 صوت الإمارات -

 صوت الإمارات - الكاتبة آنا بيرنز تبحث عن المعنى في قلب اللامعقول بنكهة أيرلندية معاصرة

الكاتبة آنا بيرنز
لندن – صوت الإمارات

يعتبر التسجيل المرهف والشديد الحساسية لمناخ العيش في أجواء الصراع الأهلي الذي عاشته بلفاست خلال سبعينات القرن الماضي، من انقسام وقبائلية وتناحر طائفي، وتفشي إساءة استعمال مصادر القوة من قبل مختلف الأطراف في ظل غياب الاستقرار الأمني، هو الخيط الذهبي الذي يمتد ليربط بين الأعمال الثلاثة للروائية المنحدرة من آيرلندا الشمالية آنا بيرنز "بلا عظام – 2002" و"تشكيلات صغيرة – 2007" و"بائع الحليب"، التي تُوجت مؤخرًا بجائزة "بوكر" للرواية 2018.

 ومع أن نصوص بيرنز تنزع إلى شخصنة الحدث والتركيز على المشاعر التي تعتمل داخل صدور الشخصيات في مواجهة وقائع عبثية يومية تبدو شكلًا وكأن لا تماس مباشرًا لها مع السياسة، إلا أن تقاطع تلك المشاعر تكتسب معنى عميقًا وحقيقيًا، وتنتظم ببراعة مذهلة كمنطق أعلى وخلفية كونية لمعاناة البشر عندما تستعاد في أجواء التاريخ السياسي للمدينة.

 هذا البحث المضني عن المعنى في قلب العبثي واللامعقول يمنح أعمال آنا بيرنز نكهة آيرلندية لا تخفى، ويجعل منها تكريسًا معاصرًا لتقليد أدبي آيرلندي لم ينته بصموئيل بيكيت، ويكاد يكون فضاءً مغلقًا وملكية فكرية خاصة للكتاب المنحدرين من آخر الأراضي الأوروبية غربًا، فلا يجرؤ أدباء البقاع الأخرى على ارتياده. بيرنز التي مع ذلك لا ترغب في أن تُقرأ في سياق "بيكتي" محض أو أن تُعلب في خانة الأدب الآيرلندي الضيقة، ذهبت بسردية "بائع الحليب" إلى إسقاط الأسماء عن شخوص الرواية وشوارع مدينتهم لتنقلها إلى صعيد بشري كلي، حيث غياب بلفاست المغرقة في الرمادية وظلال الديستوبيا وكأنه حضور ساطع لكل مدينة تعيش على حافة الاختناق.

 ولولا إشارات باهتة هنا وهناك في ثنايا السرد إلى ماضي بلفاست لكانت "بائع الحليب" عملًا أقرب إلى ديستوبيا مارغريت آتوود الشهيرة "قصة خادمة منزلية"، أي صورة أزمنة مظلمة تنتظر البشر على المنعطف التالي لحياتهم القصيرة البائسة.

 في ذلك، قد يبدو خيار هيئة تحكيم "بوكر" بمنح "بائع الحليب" جائزتها لهذا العام انحيازًا سياسيًا صار متوقعًا إلى حد ما بوصفها صوتًا محسوبًا على المؤسسة الثقافية البريطانية التي يطيب لها الترويج لعمل يظهر الأوضاع الحالية المستقرة في آيرلندا الشمالية تحت حكم المملكة المتحدة وكأنها جنان مقارنة بمرحلة السبعينات الصعبة.

 ومما يدفع باتجاه قراءة مثل تلك كون بيرنز تلمح في ثنايا سطور روايتها إلى أن الشخصية الشريرة الرئيسية التي تحمل لقب "بائع الحليب" هي قائد ميليشياوي في الجيش الجمهوري الآيرلندي، لكن وحتى لو كانت هذه القراءة مجرد تحميل ما لا يحتمل للنص، فإن الرواية تبدو بشكل أو بآخر كما بوح داخلي وسجل مشاعر لكاتبتها التي عاشت مراهقتها في تلك المرحلة بالفعل متجنبة السياسة والسياسيين كما تفعل الغالبية الصامتة في المجتمعات المقطعة الأوصال، متلهية بقراءة الروايات القديمة من قرن سابق لأنها لا تحتمل خفة الوجود التي تقدمها تجربة عيش القرن العشرين.

 ولما انتقلت بيرنز إلى لندن لدراسة اللغة الروسية في إحدى جامعاتها أحست بانقلاب طريقة إحساسها بالعالم والحياة على نحو دفعها لأن تقرأ بتعمق في كتب السياسة والتاريخ المتعلقة بالمسألة الآيرلندية محاولة لفهم حالة اللامعقول التي عايشتها بنفسها في ذلك الصندوق المغلق المسمى بلفاست، التي يستحيل تفكيكها دون القبض على تقمصات السياسة عبر تقلبات الأيام. ولذا؛ فلا مندوحة من سماع صوت بيرنز نفسها يأتينا مغلفًا بشخصية بطلتها التي لا يعرف لها اسم وتصفها بالأخت الوسطى فحسب. الروائية التي تحدثت عن تجربتها في الكتابة وكأنها عملية انتظار طويل: - "ترتدي ثيابك، وتجلس بانتظار الشخصيات لحين أن تأتيك وتشرع بسرد حكاياتها لك" - لا بد أنها كانت تقرأ كوابيسها ومخاوفها الذاتية في حكايات تلك الشخصيات المتخيلة.

 تسرد الكاتبة أحداث "بائع الحليب" على لسان تلك "الأخت الوسطى" التي تبلغ من العمر 18 عامًا ويلاحقها ميليشياوي بضعف عمرها محاولًا إغواءها، مستقويًا بالسلطة التي يتمتع بها في وقت لا أحد من قاطني بلفاست يتصل بالشرطة (البريطانية) إلا ربما لإيقاعها في كمين إطلاق النار عليها.

 "بائع الحليب" وفق الرواية ما هو إلا اسم حركي لذلك الميليشياوي المرعب الذي تقول عنه الأخت الوسطى "لا أعرف من هو بائع الحليب هذا، وبالتأكيد هو ليس بائع الحليب في منطقتنا، ولا أي منطقة أخرى. بل ربما هو أصلًا ليس بائع حليب بالمرة". ومع ذلك؛ فإن هنالك ثمة بائع حليب في كل حي، يهدد كل "أخت وسطى" بأنه سيقتل رفيقها أو أخاها إن هي لم تستسلم لنزواته. فتعيش البطلة إحساسًا خانقًا بالعدمية والعجز في مواجهة المطاردة الدائمة من بائع الحليب، ولا سيما أن الإشاعات بدأت تتردد في مجتمعها المرتعد المغلق على ذاته بأنها على علاقة به وأنها محظيته الخاصة.

 وهكذا يتداخل الشأن الخاص بالشأن العام وتتقاطع الأحداث لتجعل أيامها أشبه بلحظات طريدة وقعت في مصيدة وتنتظر مصيرها بلا حول ولا قوة، وهي فترة ستجد كثير من النساء العربيات المحاصرات داخل مجتمعات مغلقة ومنشطرة أنها تعيش أو عاشت مثلها على مستوى ما ربما في بيروت الحرب الأهلية أو جزائر العشرية السوداء أو الأزمة السورية المعاصرة.

 لا تذكر بيرنز العنف مباشرة ولا تسرد أيًا من أحداثه، لكنها تستعرض بعيني الفتاة اليافعة تمثلاته مدققة بنتائج حضوره الطيفي المختبئ وراء انقسامات طبقية أو طائفية، وفي خضوع الأغلبية الذليل للزعامات المحلية والبطريركيات الجندرية والعمرية والدينية، وفي مناخ الخوف والبارانويا والالتباسات النفسية.

 ويعيب البعض على الكاتبة بأن سرديتها الممتدة عبر رواياتها الثلاث تشير إلى أنها لا تزال رهينة العيش في مرحلة مؤسفة، لكنها انقضت من تاريخ آيرلندا الشمالية، بينما معظم الجيل الحالي من سكان بلفاست ولدوا بعدها، وصارت لهم هموم جديدة مختلفة تمامًا عن هموم جيل السبعينات. لكن تلك تمامًا مأساتها التي تحوك منها أقمشة خيالاتها؛ إذ إن البشر الذين يخضعون لتجربة العيش في ظل المجتمعات المخنوقة بالخوف والعجز والحصار الاجتماعي تغيرهم تلك التجربة بشكل جذري فلا هم يخرجون من خوفهم، ولا يخرج خوفهم منهم حتى وإن تغيرت مساراتهم لاحقًا أو رحلوا إلى مدن أقل اختناقًا.

 نثر "بائع الحليب" ليس سهلًا ويتطلب جهدًا كبيرًا قبل أن يُلقي بمفاتيحه إلى القارئ. ومع ذلك؛ فإن صوتها الشاهق بتفرده في وصف حدود العبثي واللامعقول يختلط بطعم سخرية لاذع يجعل من الرحلة الصعبة أمرًا يمكن احتماله، أقله قبل بلوغ لحظة التخلي القاسية التي تنتهي إليها البطلة. هذا النثر الواثق المسبوك الذي لا يستسلم حتى لأي جمل قصيرة أو فواصل تمكن القارئ من استرداد الأنفاس فرض نفسه أمام تجارب روائية ثرية وأسماء لامعة ترشحت للجائزة، وانتزع لصاحبته التكريم كأول آيرلندية شمالية تفوز بها منذ إطلاقها في فضاء الثقافة الإنغلوفونية قبل نصف قرن من الزمان.

emiratesvoice
emiratesvoice

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الكاتبة آنا بيرنز تبحث عن المعنى في قلب اللامعقول بنكهة أيرلندية معاصرة الكاتبة آنا بيرنز تبحث عن المعنى في قلب اللامعقول بنكهة أيرلندية معاصرة



ليلى زاهر تستقبل طفلتها الأولى وتلهم الحوامل بإطلالات راقية

دبي - صوت الإمارات
شاركت النجمة المصرية الشابة ليلى أحمد زاهر متابعيها خبر استقبال مولودتها الأولى "إيلا" من زوجها المنتج هشام جمال، لنستعرض أبرز إطلالاتها الملهمة خلال مرحلة الحمل، والتي اتسمت بالرقي ومواكبة الموضة بأسلوب ناعم يبرز أنوثتها ووقارها. تألقت ليلى في ظهور إعلامي برفقة زوجها بفستان انسيابي بقصة "درابيه" واسعة من توقيع دار "لويس فويتون"، تميز بكسرات خفقت ملامح قوامها وطبعات ورود باهتة بلون السيمون، ونسقت معه حقيبة مطابقة وتسريحة ذيل حصان عالٍ. وفي أول إعلان رسمي عن حملها تحت الأضواء خلال مشاركتها في مهرجان كان السينمائي، استعرضت حملها بفستان سهرة أبيض محدد القوام من تصميم رامي قاضي، جاء بأكمام طويلة وأطراف مزينة بطبقات الريش المتدرجة مع ذيل خلفي طويل. وحافظت النجمة الشابة على أسلوبها الناعم في مناسبات السهرة باخ...المزيد

GMT 19:05 2020 الإثنين ,21 كانون الأول / ديسمبر

أبو الغيط يرحب بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

GMT 09:26 2015 الأربعاء ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

الشاعر والإعلامي محمد غبريس يصدر "أحدق في عتمتها"

GMT 19:09 2022 الجمعة ,10 حزيران / يونيو

"لامبورغيني أوروس" تسجّل رقم إنتاج قياسي جديد

GMT 02:48 2019 الأحد ,20 تشرين الأول / أكتوبر

أوكرانيا تكشف عن "صاروخ خارق" يشبه "خا-31" روسي الصنع

GMT 23:25 2013 الخميس ,30 أيار / مايو

زيد حمزة يصدر كتاب "بين الطب والصحافة"

GMT 22:52 2018 الثلاثاء ,27 آذار/ مارس

السيسي وثورة بيضاء على إعلام "الثرثرة"

GMT 22:12 2015 الجمعة ,20 شباط / فبراير

صدور كتاب "حكاية مقاهي الصفوة والحرافيش"

GMT 00:18 2022 الثلاثاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

نيسان نيسمو تكشف عن نيسان Z GT4 في معرض "سيما" SEMA 2022

GMT 18:59 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

بصمة سيارات لينكون في السينما منذ ظهور التلفزيون الملون

GMT 07:55 2019 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

Minecraft Earth تدخل مرحلة الوصول المبكر في شهر أكتوبر القادم

GMT 23:22 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

10 شركات تتأهل إلى «فيوتشريزم 2019»
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates