خرجت الخلافات بشأن تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة من غرف المفاوضات الحزبية إلى الشارع، مع تنظيم مظاهرات في عدة مدن تطالب بإنهاء حكم بنيامين نتنياهو عبر ائتلاف يضم الأحزاب العربية، بالتزامن مع تحركات مضادة ترفض هذا الخيار وتدعو إلى انتخابات جديدة، في مشهد يعكس عمق الانقسام داخل المعسكرين السياسيين وعجز نتائج الاقتراع عن إنتاج أغلبية حكومية واضحة.
وفي تل أبيب، احتشد متظاهرون في ميدان هبيما، مساء السبت، مطالبين القوى المناهضة لـ بنيامين نتنياهو بالتعامل مع نتائج الانتخابات باعتبارها تفويضا لتغيير الحكومة، وعدم استبعاد الأحزاب العربية من المشاورات الائتلافية. وامتدت التحركات إلى القدس وحيفا وبئر السبع، فضلا عن مواقع أخرى، في مؤشر إلى اتساع النقاش بشأن موقع المواطنين العرب وقواهم السياسية في معادلة الحكم.
ولم تكن المظاهرات تعبيرا عن تأييد سياسي مجرد، بل جاءت محاولة للضغط على قادة معسكر التغيير كي يتجاوزوا تحفظاتهم على التعاون مع القوائم العربية، مستندين إلى الحسابات البرلمانية التي تجعل أصوات هذه القوائم ضرورية لتشكيل حكومة بديلة. وقدّر تقرير لصحيفة ‘تايمز أوف إسرائيل’ عدد المشاركين في احتجاج تل أبيب بنحو 500 شخص فيما تحدثت ‘هآرتس’ عن آلاف، مشيرة إلى أن حركة “نقف معاً” قادت التحرك.
لكن الشارع لم يكن موحدا خلف هذا الطرح؛ إذ شهد الموقع نفسه تجمعا لناشطين من اليمين يعارضون إدخال الأحزاب العربية في الحكومة، ويتمسكون ببقاء نتنياهو أو العودة إلى الانتخابات، بينما اضطرت الشرطة إلى الفصل بين المجموعتين، قبل أن توقف أحد المشاركين في الاحتجاج اليميني على خلفية الاشتباه بإخلاله بالنظام العام.
وتكتسب هذه المواجهة أهميتها من نتائج انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول، التي منحت القوى المناهضة لنتنياهو 67 مقعدا في الكنيست، مقابل 53 لمعسكره، غير أن قراءة توزيع المقاعد تكشف أن الأحزاب اليهودية المعارضة لا تملك سوى 48 مقعدا، بينما تستحوذ القوائم العربية على 19 مقعدا، وهو ما يجعلها رقما حاسما في أي محاولة لتأمين أغلبية تتجاوز الحد المطلوب، البالغ 61 مقعدا.
وهنا تتجلى المفارقة الأساسية في المشهد السياسي الإسرائيلي، فالمعسكر الذي يعلن امتلاكه تفويضا شعبيا لإنهاء حكم نتنياهو لا يستطيع تحويل تقدمه العددي إلى حكومة من دون تفاهم مع الأحزاب العربية، لكنه لا يبدي استعدادا موحدا لقبول هذه الشراكة. وبينما أعلن حزب ‘رعام’ رغبته في المشاركة بالحكومة، أبدت القائمة المشتركة استعدادها للمساهمة في إسقاط الحكومة الحالية، وفق ما أوردته ‘هآرتس’.
وفي خضم هذه المعضلة، طرح زعيم حزب ‘يشار’ غادي آيزنكوت تصوره لتشكيل حكومة جديدة، داعيا إلى ائتلاف واسع يستند إلى أربعة شروط تتعلق بطبيعة الدولة وقيمها والخدمة العسكرية والموقف من حماس. وتشمل هذه المبادئ الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية وليبرالية ومتساوية، والالتزام بوثيقة الاستقلال، وفرض الخدمة العسكرية أو الوطنية أو المدنية على جميع المواطنين، إلى جانب العمل على إنهاء سلطة حماس وقدراتها العسكرية في قطاع غزة.
ورغم حديثه عن ضرورة بناء توافق سياسي واسع، فإن هذه الشروط تضيق نطاق الشراكة الممكنة؛ فهي تستبعد الأحزاب العربية من المشاركة الحكومية، كما تضع الأحزاب الحريدية أمام مواجهة بشأن إعفاء أنصارها من الخدمة العسكرية. وبذلك، يواجه آيزنكوت معادلة معقدة: السعي إلى استثمار تراجع معسكر نتنياهو، من دون تقديم تنازلات في الملفات التي تحدد علاقته بالقوى العربية والدينية.
وتشير تحركاته ومنها اجتماعه مع يائير لابيد لبحث التنسيق السياسي، إلى محاولة منع انزلاق إسرائيل إلى جولة انتخابية جديدة، لكنه لم يطرح حتى الآن صيغة تضمن تجاوز الانقسام داخل معسكره وتشمل أجندته أيضا ملفات داخلية، بينها تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وإلغاء قوانين التعديلات القضائية، وزيادة التجنيد وتحسين ظروف الخدمة العسكرية.
وتكشف هذه التطورات أن العقدة الحكومية تتجاوز التنافس بين نتنياهو وخصومه، لتلامس سؤالا أعمق بشأن حدود المشاركة السياسية للأحزاب العربية في إسرائيل، فهذه الأحزاب باتت تملك ثقلا عدديا يمكن أن يرجح كفة أحد المعسكرين، لكنها لا تزال تواجه رفضا من قوى تسعى في الوقت نفسه إلى الاستفادة من أصواتها لإحداث التغيير.
وإذا لم تتبدل هذه المعادلة، فإن تقدم المعارضة في صناديق الاقتراع قد يبقى عاجزا عن إنتاج بديل حكومي، بما يطيل أمد الأزمة ويفتح الباب أمام خيارات سياسية محدودة.
قد يهمك أيضـــــــا :
مع إقتراب مشاورات الرئيس الإسرائيلي تمهيداَ لتكليف تشكيل حكومة جديدة و الفرق بين نتنياهو و آيزنكوت
معسكر نتنياهو يتقدم بـ56 مقعدًا مقابل 48 لمعسكر آيزنكوت بعد فرز 60% من الأصوات
أرسل تعليقك